موت أميرة!
بقلم : د. محمود عمارة
خبر في سطور علي عمودين في الجرائد الحكومية يقول: ماتت الأميرة فوزية الابنة الوسطي للملك فاروق, وسوف تتكلف ميزانية الدولة نفقات إعادة الجثمان وتذاكر الطيران!
وفي جريدة الوفد مانشيت بالبنط العريض وتحقيق صحفي علي ربع صفحة بالسهو والخطأ والإهمال يتحدث عن وفاة الأميرة:فوزية شقيقة الملك وليس ابنة الملك!!
وعاد الجثمان علي متن إحدي الرحلات العادية لمصر للطيران, وفي المطار كان في انتظار الجثة عدد محدود من أصدقاء وأقارب الأسرة ومندوب من رئاسة الجمهورية ليواري جسدها التراب بجوار والدها ملك مصر والسودان!
قرأت الخبر وتذكرت قصة شقيقها ولي العهد الأمير أحمد فؤاد الذي ظل لعدة أيام ملكا لمصر حتي أعلنت الجمهورية وألغيت الملكية.. عاش الأمير أحمد فؤاد مثله مثل باقي أفراد أسرته يتعلم في المدارس السويسرية قبل أن ترعاه الأميرة جريس كيلي وزوجها الأمير رينيه حاكم إمارة موناكو وكانا صديقين لوالده الملك فاروق إلي أن انتهي أحمد فؤاد من دراسته وبدأ يعتمد علي نفسه فافتتح مكتبا أجانس للعقارات في فرنسا يعمل فيه16 ساعة يوميا كسمسار لبيع وشراء وتأجير الشقق ليتكسب قوت يومه ويعيش حياته كأي مواطن عادي يحيا من عرق جبينه!
كان يفرح حينما نوجه له دعوة لحضور احتفالات الجالية المصرية في باريس, ويصر دائما علي الجلوس في الصفوف الخلفية والسفير رفيق صلاح الدين القنصل العام وأنا كرئيس للجالية المصرية نجلس بجواره نستمتع ببساطته وتلقائيته وصراحته وهو يجيب علي تساؤلاتنا في كل نواحي الحياة عدا السياسة فهو يرفض مطلقا الحديث فيها, ولكنه يتحدث بإسهاب ومرارة عن حياته وحياة شقيقاته, فالكبري الأميرة فريال التي قامت بدور الأم والأب والأخت ترفض الزواج عدة مرات لتظل بلا زواج ترعي أشقاءها وتسهر علي خدمتهم وتربيتهم وهي تعمل كمدرسة لغة فرنسية في إحدي المدارس السويسرية, أما الأميرة فادية وهي الصغري فقد تزوجت من شاب روسي يمتلك اصطبلا للخيول يعملان فيه بيديهما للإنفاق علي حياتهما وأبنائهما ولا أحد يسمع عنهما مطلقا, أما الأميرة الوسطي فوزية فقد تزوجت من شاب متوسط الحال وامتلكا مطعما صغيرا كانا يعملان فيه18 ساعة ليل نهار في خدمة الزبائن!
كنا في باريس نلتقي مع صديقنا الأمير حسين طوسون أحد أفراد الأسرة المالكة الذي يعمل مديرا في أحد البنوك الفرنسية ويحضر معنا معظم اجتماعات مجلس إدارة الجالية, نتعلم منه آداب الحديث وآداب المأكل والمشرب والذوق الرفيع وبتواضعه المتناهي كان يحكي لنا قصصا وحكايات وتاريخا من الواضح أنه حقائق بعيدا عن الأكاذيب التي روجتها وسائل الإعلام المصرية لتشويه صورة أسرة محمد علي, وهذا ليس مستغربا من رجال الثورة الذين عذبوا اللواء محمد نجيب قائد الثورة وأول رئيس للجمهورية الذي يحكي بنفسه في كتابه كنت رئيسا للجمهورية بعضا من الإهانات والبهدلة والمرمطة, كما يكشف عن قتلهم لولديه ليتركوا الثالث يعمل سائقا في شركة عثمان أحمد عثمان صباحا, وسائقا علي تاكسي أجرة ليلا ليكسب ما يسد رمقه, ومات اللواء أركان حرب محمد نجيب أول رئيس للجمهورية راتبه نهاية الثمانينيات لا يتجاوز160 مائة وستين جنيها كان ينفقها وهو واقف بنفسه في طابور الجمعيات الاستهلاكية ليحصل علي دجاجة مثلجة أو كيلو سكر وباكو شاي بنشارة الخشب من وزارة التموين!
كما ماتت الأميرة فوزية البنت الوسطي للملك فاروق بسبب الفقر وحياة البؤس التي دفعتها لتعاطي المهدئات.. ماتت فوزية مريضة.. فقيرة بعد أن أصيبت المسكينة بضمور في العضلات ثم بالعمي.
والآن يعيش الأمير أحمد فؤاد في سويسرا بعد تركه لباريس وانفصاله عن زوجته الفرنسية في غرفة استوديو ملحق بها دورة مياه ومطبخ صغير, ولم نسمع أبدا عن أنه تقدم بطلب إلي الحكومة المصرية أو لجأ إلي القضاء للحصول علي بعض أو جزء من ممتلكات العائلة كما فعل اليهود المصريون وحصلوا علي أحكام بممتلكاتهم, ولم يحدث أن تقدم أحد من أفراد الأسرة المالكة بخطاب يطلب فيه المساعدة أو النجدة ولولا الرئيس أنور السادات الذي منح أحمد فؤاد جواز سفر مصريا وسمح له بدخول وطنه لما استطاع حضور جنازة شقيقته
وها هي الأيام تثبت لنا أن كل ما قيل في وسائل الإعلام الحكومية وما كتب عن الملك فاررق من قصص وحكايات وروايات عن السلب والنهب وقصة إلياس أندراوس مستشاره الاقتصادي الذي قيل أنه كان يتولي تخزين المبالغ الطائلة في المصارف الأوروبية والأمريكية, وحكاية الـ200 حقيبة التي كان يحملها علي ظهر المحروسة يوم رحيله, واحتسائه الخمور حتي الثمالة و...و....و... ثبت أن كل هذا لا أساس له من الصحة وكله كذب, فالملك فاروق لم يتذوق الخمر طوال حياته وحتي مماته بل كان يشمئز من رائحة الكحوليات, كما ثبت أنه غادر مصر وبصحبته22 حقيبة فقط تحتوي علي ملابسه وحاجاته الشخصية هو وزوجته الملكة ناريمان صادق والبنات الثلاث والطفل أحمد فؤاد ولم يحمل معه سوي خمسة آلاف جنيه مصري كاش وحتي المجوهرات كانت موجودة في الخزائن في القصر في القاهرة وقت إجباره علي المغادرة وهو في قصر الإسكندرية, ولا يوجد في أي بنك في العالم أية حسابات للملك أو أسرته سوي حساب واحد في أحد بنوك سويسرا به25.000 خمسة وعشرون ألف جنيه مصري.. أي أن الملك فاروق ملك مصر والسودان وابنه وريث العرش وزوجته وبناته الثلاث خرجوا من مصر وكل واحد منهم لا يملك من الدنيا سوي خمسة آلاف جنيه مصري عليه أن يعيش بها طوال حياته, خلافا لكل ما قرأناه وسمعناه من افتراءات وأكاذيب!!
ولهذا فمن حق الشعب المصري اليوم وبعد مرور أكثر من خمسين سنة علي الحركة المباركة أن يطالب بإعادة كتابة التاريخ الحقيقي بصراحة وأمانة وموضوعية حتي تعرف الأجيال القادمة من هم اللصوص؟ ومن هم الشرفاء؟