ننتظر تسجيلك هـنـا




..{ :::فَعَاليَاتنَا :::..}~
  

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: جماهير ليفربول ترفض اعتذار راموس لـ محمد صلاح (آخر رد :زهرة فى خيالى)       :: هل يقبل المسلم دعوة صديقه المسيحى على الإفطار فى رمضان؟ (آخر رد :زهرة فى خيالى)       :: الدفاع المدني السعودي يرفع جاهزيته لمواجهة إعصار مكونو (آخر رد :زهرة فى خيالى)       :: ريال مدريد يتربع على عرش أوروبا للمرة الـ13 فى ليلة حزينة للمصريين (آخر رد :زهرة فى خيالى)       :: شاهد.. رد فعل جماهير ليفربول بعد إصابة محمد صلاح فى نهائى الأبطال (آخر رد :زهرة فى خيالى)       :: "إرادة مصرية".. القوات المسلحة تحتفل بذكرى نصر العاشر من رمضان (آخر رد :زهرة فى خيالى)       :: . سلطنة عُمان تتأهب استعدادا لإعصار "مكونو" (آخر رد :زهرة فى خيالى)       :: تنبيه للجنة تحكيم مسابقة محبة القرآن 1439هـ (آخر رد :محمد فهمي يوسف)       :: ترامب يعلن إلغاء القمة مع كوريا الشمالية فى سنغافورة (آخر رد :زهرة فى خيالى)       :: طوارئ المنصورة الجامعي تنقذ يد فتاة من البتر بعد انزلاق كفها في المفرمة (آخر رد :زهرة فى خيالى)      



همسات عن شيخنا الجليل الشعراوي كل ما يختص بالشيخ الشعرواى حياته ... خطبه... الخ

إضافة رد
قديم 21-08-2016, 02:34 PM   #381

إدارة المنتدى
مراقب المنتديات التقنية والفنية


الصورة الرمزية دكتور علاء
دكتور علاء غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 8315
 تاريخ التسجيل :  Feb 2011
 أخر زيارة : 21-05-2018 (02:28 AM)
 المشاركات : 19,910 [ + ]
 التقييم :  1241
 الدولهـ
Egypt
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
علاء الدين
لوني المفضل : #B45F04
افتراضي رد: خواطر الشعراوى (متجدد )



ما قصة كل هذا؟.. اليهود نبذوا عهد الله واتبعوا ما تتلو الشياطين أيام سليمان، وأرادوا أن ينسبوا كل شيء في عهد سليمان على أنه سحر وعمل شياطين، وهكذا أراد اليهود أن يوهموا الناس أن منهج سليمان هو من السحر ومن الشياطين. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يبرئ سليمان من هذه الكذبة.. سليمان عليه السلام حين جاءته النبوة طلب من الله سبحانه وتعالى أن يعطيه ملكا لا يعطيه لأحد من بعده.. واقرأ قوله تعالى قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ([ص: 35-38]
وهكذا أعطى سليمان الملك على الإنس والجن ومخلوقات الله كالريح والطير وغير ذلك.. حين أخذ سليمان الملك كان الشياطين يملأون الأرض كفراً بالسحر وكتبه. فأخذ سليمان كل كتب السحر وقيل أنه دفنها تحت عرشه.. وحين مات سليمان وعثرت الشياطين على مخبأ كتب السحر أخرجتها وأذاعتها بين الناس.. وقال أولياؤهم من أحبار اليهود إن هذه الكتب من السحر هي التي كان سليمان يسيطر بها على الإنس والجن، وأنها كانت منهجه، وأشاعوها بين الناس.. فأراد الله سبحانه وتعالى أنْ يبرئ سليمان من هذه التهمة ومن أنه حكم بالسحر ونشر الكفر.. قال جل جلاله: ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـاكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ).
ما هو السحر؟.. الكلمة مشتقة من سحر وهو آخر ساعات الليل وأول طلوع النهار.. حيث يختلط الظلام بالضوء ويصبح كل شيء غير واضح.. هكذا السحر شيء يخيل إليك أنه واقع وهو ليس بواقع.. إنه قائم على شيئين.. سحر العين لترى ما ليس واقعا على أنه حقيقة.. ولكنه لا يغير طبيعة الأشياء.. ولذلك قال الله تبارك وتعالى في سحرة فرعون سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ([الأعراف: 116]
إذن فالساحر يسيطر على عين المسحور ليرى ما ليس واقعا وما ليس حقيقة.. وتصبح عين المسحور خاضعة لإرادة الساحر.. ولذلك فالسحر تخيل وليس حقيقة.. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ([طه: 66]
إذن مادام الله سبحانه وتعالى قال: ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ).. فهي لا تسعى.. إذن فالسحر تخيل.. وما الدليل على أن السحر تخيل؟.. الدليل هو المواجهة التي حدثت بين موسى وسحرة فرعون.. ذلك أن الساحر يسحر أعين الناس ولكن عينيه لا يسحرهما أحد.. حينما جاء السحرة وموسى.. اقرأ قوله سبحانه قَالُواْ يامُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ([طه: 65-66]
عندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم خُيِّل للموجودين إنها حيات تسعى.. ولكن هل خيل للسحرة إنها حيات؟ طبعا لا.. لأن أحدا لم يسحر أعين السحرة.. ولذلك ظل ما ألقوه في أعينهم حبالا وعِصِيّاً.. حين ألقى موسى عصاه واقرأ قوله تبارك وتعالى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ([طه: 69-70]
هنا تظهر حقيقة السحر.. لماذا سجد السحرة؟ لأن حبالهم وعصيهم ظلت كما هي حبالا وعصيا.. ذلك أن أحدا لم يسحر أعينهم.

. ولكن عندما ألقى موسى عصاه تحولت إلى حية حقيقية.. فعرفوا أن هذا ليس سحرا ولكنها معجزة من الله سبحانه وتعالى.. لماذا؟ لأن السحر لا يغير طبيعة الأشياء، وهم تأكدوا أن عصا موسى قد تحولت إلى حية.. ولكن حبالهم وعصيهم ظلت كما هي وإن كان قد خيل إلى الناس أنها تحولت إلى حية.
إذن فالسحر تخيل والساحر يرى الشيء على حقيقته لذلك فإنه لا يخاف.. بينما المسحورون الذين هم الناس يتخيلون أن الشيء قد تغيرت طبيعته.. ولذلك سجد السحرة لأنهم عرفوا أن معجزة موسى ليست سحرا.. ولكنها شيء فوق طاقة البشر.
السحر إِذن تخيل والشياطين لهم قدرة التشكل بأي صورة من الصور، ونحن لا نستطيع أن ندرك الشيطان على صورته الحقيقية، ولكنه إذا تشكل نستطيع أن نراه في صورة مادية.. فإذا تشكل في صورة إنسان رأيناه إنسانا، وإذا تشكل في صورة حيوان رأيناه حيوانا، وفي هذه الحالة تحكمه الصورة.. فإذا تشكل كإنسان وأطلقت عليه الرصاص مات، وإذا تشكل في صورة حيوان ودهمته بسيارتك مات، ذلك لأن الصورة تحكمه بقانونها.. وهذا هو السر في إنه لا يبقى في تشكله إلا لمحة ثم يختفي في ثوان.. لماذا؟ لأنه يخشى ممن يراه في هذه الصورة أن يقتله خصوصا أن قانون التشكل يحكمه.. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تشكل له الشيطان في صورة إنسان قال:
" ولقد هممت أن أربطه في سارية المسجد ليتفرج عليه صبيان المدينة ولكني تذكرت قَول أخي سليمان: " رب هب لي مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ". فتركته " الحديث لم يُخَرَّجْ.
ومن رحمة الله بنا أنه إذا تشكل الشيطان فإن الصورة تحكمه.. وإلا لكانوا فزعونا وجعلوا حياتنا جحيما.. فالله سبحانه وتعالى جعل الكون يقوم على التوازن حتى لا يطغى أحد على أحد.. بمعنى أننا لو كنا في قرية وكلنا لا نملك سلاحا وجد التوازن.. فإذا ملك أحدنا سلاحا وادعى أنه يفعل ذلك ليدافع عن أهل القرية، ثم بعد ذلك استغل السلاح ليسيطر على أهل القرية ويفرض عليهم إتاوات وغير ذلك، يكون التوازن قد اختل وهذا مالا يقبله الله.
السحر يؤدي لاختلال التوازن في الكون.. لأن الساحر يستعين بقوة أعلى في عنصرها من الإنسان وهو الشيطان وهو مخلوق من نار خفيف الحركة قادر على التشكل وغير ذلك.. الإنسان عندما يطلب ويتعلم كيف يسخر الجن.. يدعي أنه يفعل ذلك لينشر الخير في الكون، ولكنها ليست حقيقة.. لأن هذا يغريه على الطغيان.. والذي يخل بأمن العالم هو عدم التكافؤ بين الناس.

. إنسان يستطيع أن يطغى فإذا لم يقف أمامه المجتمع كله إختل التوازن في المجتمع. والله سبحانه وتعالى يريد تكافؤ الفرص ليحفظ أمن وسلامة الكون.. ولذلك يقول لنا لا تطغوا وتستعينوا بالشياطين في الطغيان حتى لا تفسدوا أمن الكون.
ولكن الله جل جلاله شاءت حكمته أن يضع في الكون ما يجعل كل مخلوق لا يغتر بذاتيته.. ولا يحسب أنه هو الذي حقق لنفسه العلو في الأرض.. ولقد كانت معصية إبليس في أنه رفض أن يسجد لآدم. إنه قال قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ([الأعراف: 12]
إذن فقد أخذ عنصر الخلق ليدخل الكبر إلى نفسه فيعصي، ولذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلم البشر من القوانين، ما يجعل هذا الأعلى في العنصر ـ وهو الشيطان ـ يخضع للأدنى وهو الإنسان، حتى يعرف كل خلق الله أنه إن ميزهم الله في عنصر من العناصر، فإن هذا ليس بإرادتهم ولا ميزة لهم.. ولكنه بمشيئة الله سبحانه وتعالى.. فأرسل الملكين ببابل هاروت وماروت ليعلما الناس السحر. الذي يخضع الأعلى عنصراً للأدنى.
واقرأ قوله سبحانه: ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـاكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ ).. فالله تبارك وتعالى أرسل الملكين هاروت وماروت ليعلما الناس السحر.. ولقد رويت عن هذه الملكين قصص كثيرة.. ولكن مادام الله سبحانه وتعالى قد أرسل ملكين ليعلما الناس السحر.. فمعنى ذلك أن السحر علم يستعين فيه الإنسان بالشياطين.. وقيل إن الملائكة قالوا عن خلق آدم كما يروي لنا القرآن الكريم قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ([البقرة: 20]
حينئذ طلب الحق جل جلاله من الملائكة.. أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض لينظروا ماذا يفعلان؟ فاختاروا هاروت وماروت.. وعندما نزلا إلى الأرض فتنتهما امرأة فارتكبا الكبائر. هذه القصة برغم وجودها في بعض كتب التفسير ليست صحيحة.. لأن الملائكة بحكم خلقهم لا يعصون الله.. ولأنه من تمام الإيمان أن يؤدي المخلوق كل ما كُلِّف به من الله جل جلاله.. وهذان الملكان كلفا بأن يعلما الناس السحر.. وأن يحذرا بأن السحر فتنة تؤدي إلى الكفر وقد فعلا ذلك.. والفتنة هي الامتحان.. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ).. إذن فهذان الملكان حذرا الناس من أن ما يعلمانه من السحر فتنة تؤدي إلى الكفر.. وإنها لا تنفع إلا في الشر وفي التفريق بين الزوج وزوجه.

. وإن ضررها لا يقع إلا بإذن الله.. فليس هناك أي قوى في هذا الكون خارجة عن مشيئة الله سبحانه وتعالى..
ثم يأتي قول الحق تبارك وتعالى: ( وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ).. إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن تعلم السحر يضر ولا ينفع.. فهو لا يجلب نفعا أبدا حتى لمن يشتغل به.. فتجد من يشتغل بالسحر يعتمد في رزقه على غيره من البشر فهم افضل منه.. وهو يظل طوال اليوم يبحث عن إنسان يغريه بأنه يستطيع أن يفعل له أشياء ليأخذ منه مالا، وتجد شكله غير طبيعي وحياته غير مستقرة وأولاده منحرفين. وكل من يعمل بالسحر يموت فقيرا لا يملك شيئا وتصيبه الأمراض المستعصية، ويصبح عبرة في آخر حياته.


 
 توقيع :
اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي


لمعرفة صحة الحديث قبل نشره للتأكد من صحته بالألوان
ادخل الى هذا الموقع اكتب جزء من الحديث

http://hdith.com
فاذا ظهر الحديث بخلفية اخضر اللون فاسناده صحيح
واذا ظهر الحديث بخلفية رمادى اللون فهو موقوف
واذا ظهر الحديث بخلفية حمراء فاسناده ضعيف


لمن يحتاج الى متبرع بالدم ( بنك الدم )



رد مع اقتباس
قديم 21-08-2016, 02:36 PM   #382

إدارة المنتدى
مراقب المنتديات التقنية والفنية


الصورة الرمزية دكتور علاء
دكتور علاء غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 8315
 تاريخ التسجيل :  Feb 2011
 أخر زيارة : 21-05-2018 (02:28 AM)
 المشاركات : 19,910 [ + ]
 التقييم :  1241
 الدولهـ
Egypt
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
علاء الدين
لوني المفضل : #B45F04
افتراضي رد: خواطر الشعراوى (متجدد )



إذن فالسحر لا يأتي إلا بالضرر ثم بالفقر ثم بلعنة الله في آخر حياة الساحر.. والذي يشتغل بالسحر يموت كافرا ولا يكون له في الآخرة إلا النار.. ولذلك قد اشتروا أنفسهم بأسوأ الأشياء لو كانوا يعلمون ذلك.. لأنهم لم يأخذوا شيئا إلا الضر.. ولم يفعلوا شيئا إلا التفريق بين الناس.. وهم لا يستطيعون أن يضروا أحدا إلا بإذن الله.
والله سبحانه وتعالى إذا كانت حكمته قد اقتضت أن يكون السحر من فتن الدنيا وابتلاءاتها.. فإنه سبحانه قد حكم على كل من يعمل بالسحر بأنه كافر.. ولذلك لا يجب أن يتعلم الإنسان السحر أو يقرأ عنه.. لأنه وقت تعلمه قد يقول سأفعل الخير ثم يستخدمه في الشر.. كما أن الشياطين التي يستعين بها الساحر غالبا ما تنقلب عليه لتذيقه وبال أمره وتكون شرا عليه وعلى أولاده.. واقرأ قوله سبحانه وتعالى وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ([الجن: 6]
أي أن الذي يستعين بالجن ينقلب عليه ويذيقه ألوانا من العذاب..
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)

يفتح الله جل جلاله أمام عباده أبواب التوبة والرحمة.. لقد بين لهم أن السحر كفر، وأن من يقوم به يبعث كافرا يوم القيامة ويخلد في النار.. وقال لهم سبحانه وتعالى لو أنهم امتنعوا عن تعلم السحر ليمتازوا به على من سواهم إمتيازا في الضرر والإيذاء.. لكان ذلك خيرا لهم عند الله تبارك وتعالى.. لأن الملكين اللذين نزلا لتعليم السحر قال الله سبحانه عنهما: ) وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ (.
إذن فممارسة السحر كفر. فلو أنهم آمنوا بهذه القضية وبأنهم يدخلون في الكفر واتقوا الله لكان ذلك ثوابا لهم عند الله وخيراً في الدنيا والآخرة.. ولكن ما هي المثوبة؟ هي الثواب على العمل الصالح.. يقابلها العقوبة وهي العقاب على العمل السيئ.. وهي مشتقة من ثاب أي رجع.. ولذلك يسمى المبلغ عن الإمام في الصلاة المثوب.. لأن الإمام يقول الله أكبر فيرددها المبلغ عن الإمام بصوت عال حتى يسمعها المصلون الذين لا يصلهم صوت الإمام.. وهذا إسمه التثويب.. أي إعادة ما يقوله الإمام لتزداد فرصة الذين لم يسمعوا ما قاله الإمام.. وكما قلنا فهي مأخوذة من ثاب أي رجع.. لأن الإنسان عندما يعمل صالحا يرجع عليه عمله الصالح بالخير.. فلا تعتقد أن العمل الصالح يخرج منك ولا يعود.. ولكنه لابد أن يعود عليك بالخير.
وإذا نظرنا إلى دقة التعبير القرآني: ) لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ (. نجد أن كلمة مثوبة مأخوذة من نفس معنى كلمة ثوب وجمعه ثياب.. وكان الناس قديما يأخذون أصواف الأغنام ليصنعوا منها ملابسهم.. فيأتي الرجل بما عنده من غنم ويجز صوفها ثم يعطيه لآخر ليغزله وينسجه ثوبا ويعيده إلى صاحبه.. فكأن ما أرسله من الصوف رد إليه كثوب.. ولذلك سميت مثوبة لأن الخير يعود إليك لتنتفع به نفعا عاليا.. وكذلك الثواب عن العمل الصالح يرتد إليك بالنفع العالي.
إذن فكلمة ثوب جاء منها الثواب، والله سبحانه وتعالى علمنا أن الثواب لستر العورة.. والعمل الصالح يستر الأمراض المعنوية والنفسية في الإنسان.. وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذالِكَ خَيْرٌ ([الأعراف: 26]
فكأن هناك لباسين أحدهما لستر العورة.. والثاني لستر الإنسان من العذاب.. ولباس التقوى خير من لباس ستر العورة.. قوله تعالى: ) لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ (.. انظر إلى المثوبة التي تأتي من عند الله.. إذا كان الثواب يأتيك من عند من صنعه جميلا مزركشا وله ألوان مبهجة.

. إذا كان هذا ما يصنعه لك بشر فما بالك بالثواب الذي يأتيك من عند الله. إنه قمة الجمال. فالله هو القادر على أن يرد الثواب بقدراته سبحانه فيكون الرد عاليا وعاليا جدا، بحيث يضاعف الثواب مرات ومرات. على أننا لابد أن نتنبه إلى قول الله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا ) قلنا معنى اتقوا أنهم جعلوا بينهم وبين صفات الجلال في الله وقاية.. ولذلك قلنا إن بعض الناس يتساءل.. كيف يقول الله تبارك وتعالى: " اتقوا الله ".. ويقول جل جلاله: " اتقوا النار ".. نقول إن معنى اتقوا الله أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال في الله وقاية: " واتقوا النار ".. أي اجعلوا بينكم وبين عذاب النار وقاية.. لأن النار من متعلقات صفات الجلال.. لذلك فإن قوله: " اتقوا الله ".. تساوي: " اتقوا النار ".. والحق تبارك وتعالى حينما قال: " اتقوا " أطلقها عامة.. والحذف هنا المراد به التعميم.. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن السحرة لو آمنوا بأن تعلم السحر فتنة تؤدي إلى الكفر.. واتقوا الله وخافوا عذابه في الآخرة لكان ذلك خيراً لهم.. لذلك قال جل جلاله: ( لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ )..
وساعة تسمع كلمة خير تأتي إلى الذهن كلمة شر.. لأن الخير يقابله الشر.. ولكن في بعض الأحيان كلمة خير لا يقابلها شر. ولكن يقابلها خير أقل. وكلمة خير هي الوحيدة في اللغة العربية التي يساوي الإسم فيها أفعل التفضيل.. فأنت تقول هذا فاضل وهذا مفضول عليه.. كلمة خير إسم تفضيل فيقال ذلك خير من كذا.. أي واحد منهما يعطي أكثر من الآخر.. وكلمة خير إذا لم يأت مقابلها أي خير من كذا يكون مقابلها شر.. فإذا قلت فلان خير من فلان.. فكلاهما إشترك في الخير ولكن بدرجة مختلفة.. والخير هو ما يأتي لك بالنفع.. ولكن مقياس النفع يختلف باختلاف الناس.. واحد ينظر إلى النفع العاجل وآخر ينظر إلى النفع الآجل.. وفي ظاهر الأمر كل منهما أراد خيرا.
وإذا أردنا أن نقرب ذلك إلى الأذهان فلنقل إن هناك أخوين أحدهما يستيقظ مبكراً ليذهب إلى مدرسته والثاني ينام حتى الضحى، ويخرج من البيت ليجلس على المقهى.. الأول يحب الخير لنفسه والثاني يحب الخير لنفسه والخلاف في تقييم الخير.. الكسول يحب الخير العاجل فيعطي نفسه حظها من النوم والترفيه وعدم العمل.. والمجتهد يحب الخير الآجل لنفسه لذلك يتعب ويشقى سنوات الدراسة حتى يرتاح بعد ذلك ويحقق مستقبلا مرموقا.
الفلاح الذي يزرع ويذهب إلى حقله في الصباح الباكر ويروي ويبذر الحب ويشقى، يأتيه في آخر العام محصول وافر وخير كثير.

. والفلاح الذي يجلس على المقهى طول النهار أعطى نفسه خير الراحة، ولكن ساعة الحصاد يحصد الندم.
إذن كل الناس يحبون الخير ولكن نظرتهم ومقاييسهم تختلف.. فمنهم من يريد متعة اليوم، ومنهم من يعمل لأجل متعة الغد.. والله تبارك وتعالى حين يأمرنا بالخير.. قد يكون الخير متعبا للجسد والنفس.. ولكن النهاية متاع أبدي في جنة الخلد. إذن فالخير الحقيقي هو ما جاء به الشرع.. لماذا؟ لأن الخير هو ما ليس بعده بعد.. فأنت تولد ثم تكبر ثم تتخرج في الجامعة.. ثم تصبح في أعلى المناصب ثم تموت ثم تبعث ثم تدخل الجنة.. وبعدها لا شيء إلا الخلود في النعيم.
قوله تعالى: ( لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ).. الله ينفي عنهم العلم بينما في الآية السابقة أثبت لهم العلم في قوله تعالى: ( وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ).. نقول إن العلم الذي لا يخضع حركة الإنسان له فكأنه لم يعلم شيئا.. لأن هذا العلم سيكون حجة على صاحبه يوم القيامة وليته لم يعلمه.. واقرأ قول الشاعر:رُزِقُوا وما رُزِقٌوا سَمَاحَ يد فكأنهم رُزِقُوا وما رُزِقُواخُلِقُوا وما خُلِقُوا لمكرُمَةٍ فكأنهم خُلِقُوا وما خُلِقُوافكأن العلم لم يثبت لك لأنك لم تنفع به.. والله سبحانه وتعالى يقول وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ([الروم: 6]
(يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا..) وهكذا نفى الله عن الناس العلم الحقيقي.. وأثبت لهم العلم الدنيوي الظاهر.. وقوله جل جلاله مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ([الجمعة: 5]
أي أنهم حملوا التوراة علما ولكنهم لم يحملوها منهجا وعملا.. وهؤلاء السحرة علموا أَنَّ مَنْ يمارس السحر يكفر.. ومع ذلك لم يعملوا بما علموا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)

هذا نداء للمؤمنين.. لأن الآية الكريمة تبدأ: ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ (.. نعرف أن الإيمان هنا هو سبب التكليف.. فالله لا يكلف كافرا أو غير مؤمن.. ولا يأمر بتكليف إلا لمن آمنوا.. فمادام العبد قد آمن فقد أصبحت مسئولية حركته في الحياة عند ربه.. ولذلك يوحي إليه بمنهج الحياة.. أما الكافر فلا يكلفه الله بشيء.
إذن قوله تعالى: ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ (.. أمر لمن آمن بالله ورضى به إلها ومشرعا.. قوله: ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ (.. نداء للمؤمنين وقوله: ) لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا (.. نهى.. وكأن راعنا كانت مقولة عندهم يريد الله أن ينهاهم عنها.. والإيمان يلزمهم أن يستمعوا إلى نهي الله.
ما معنى راعنا؟ نحن نقول في لغتنا الدارجة (راعينا).. يعني احفظنا وراقبنا وخذ بيدنا وكلها مأخوذة من مادة الرعاية والراعي. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته "
وأصل المادة مأخوذة من راعي الغنم.. لأن راعي الغنم لابد أن يتجه بها إلى الأماكن التي فيها العشب والماء.. أي إلى أماكن الرعي.. وأن يكون حارسا عليها حتى لا تشرد واحد أو تضل فتفتك بها ذئاب الصحاري.. وأن يوفر لها الراحة حتى لا تتعب وتنفق في الطريق.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كنتُ أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة "
ولكن لماذا استبدل الحق سبحانه وتعالى كلمة راعنا بكلمة انظرنا؟ إن عند اليهود في العبرانية والسريانية كلمة راعنا ومعناها الرعونة.. ولذلك كانوا إذا سمعوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة راعنا.. اتخذوها وسيلة للسباب بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. والمسلمون لا يدرون شيئا.. لذلك أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتركوا هذه الكلمة.. حتى لا يجد اليهود وسيلة لستر سبابهم، وأمرهم بأن يقولوا: انظرنا.
ثم قال الحق سبحانه وتعالى: " واسمعوا ".. والله هنا يشير إلى الفرق بين اليهود والمؤمنين.. فاليهود قالوا سمعنا وعصينا، ولكن الله يقول للمؤمنين إسمعوا سماع طاعة وسماع تنفيذ.
سعد بن معاذ سمع واحدا من اليهود يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ـ راعنا ـ وسعد كان من أحبار اليهود ويعرف لغتهم ـ فلما سمع ما قاله فهم مراده. فذهب إلى اليهودي وقال له لو سمعتها منك مرة أخرى لضربت عنقك.. وقال اليهودي أو لستم تقولونها لنبيكم؟ أهي حرام علينا وحلال لكم؟ فنزلت الآية الكريمة تقول: ) لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انْظُرْنَا (.. ولو تأملنا كلمة (راعنا) وكلمة (انظرنا) لوجدنا المعنى واحدا.. ولكن (انظرنا) تؤدي المعنى وليس لها نظير في لغة اليهود التي تعني الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. وقوله تعالى: ) وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (.. أي من يقولون راعنا إساءةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لهم عذاب أليم.
مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)

ثم كشف الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين العداوة التي يكنها لهم أهل الكتاب من اليهود والمشركين.. الذين كفروا لأنهم رفضوا الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام.. فيلفتهم إلى أن اليهود والمشتركين يكرهون الخير للمؤمنين.. فتشككوا في كل أمر يأتي منهم، واعلموا أنهم لا يريدون لكم خيرا.. قوله تعالى: " ما يود ".. أي ما يحب، والود معناه ميل القلب إلى من يحبه.. والود يختلف عن المعروف.. أنت تصنع معروفا فيمن تحب ومن لا تحب.. ولكنك لا تود إلا من تحب.. لذلك قال الله تبارك وتعالى لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ([المجادلة: 22]
ثم بعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليقول عن الوالدين وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ([لقمان: 15]
يقول بعض المستشرقين إن هناك تناقضا بين الآيتين.. كيف أن الله سبحانه وتعالى يقول: لا توادوا من يحارب الله ورسوله.. ثم يأتي ويقول إذا حاول أبواك أن يجعلاك تشرك بالله فصاحبهما في الدنيا معروفا.. وطبعا الوالدان اللذان يحاولان دفع ابنهما إلى الكفر إنما يحاربان الله ورسوله.. كيف يتم هذا التناقض؟.
نقول إنكم لم تفهموا المعنى.. إن الإنسان يصنع المعروف فيمن يحب ومن لا يحب كما قلنا.. فقد تجد إنسانا في ضيق وتعطيه مبلغا من المال كمعروف.. دون أن يكون بينك وبينه أي صلة.. أما الود فلا يكون إلا مع من تحب.
إذن: ) مَّا يَوَدُّ ( معناها حب القلب.. أي أن قلوب اليهود والنصارى والمشركين لا تحب لكم الخير.. إنهم يكرهون أن ينزل عليكم خير من ربكم.. بل هم في الحقيقة لا يريدون أن ينزل عليكم من ربكم أي شيء مما يسمى خيرا.. والخير هو وحي الله ومنهجه ونبوة رسول صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: ) مِّنْ خَيْرٍ (.. أي من أي شيء مما يسمى خير.. فأنت حين تذهب إلى إنسان وتطلب منه مالا يقول لك ما عندي من مال.. أي لا أملك مالا، ولكنه قد يملك جنيها أو جنيهين.. ولا يعتبر هذا مالا يمكن أن يوفي بما تريده.. وتذهب إلى رجل آخر بنفس الغرض تقول أريد مالا.. يقول لك ما عندي من مال.. أي ليس عندي ولا قرش واحد، ما عندي أي مبلغ مما يقال له مال حتى ولو كان عدة قروش. والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم أن أهل الكتاب والكفار والمشركين.

. مشتركون في كراهيتهم للمؤمنين.. حتى إنهم لا يريدون أن ينزل عليكم أي شيء من ربكم مما يطلق عليه خير.
وقوله تعالى: ( مِّن رَّبِّكُمْ ).. تدل على المصدر الذي يأتي منه الخير من الله.. فكأنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من الله.. وهو المنهج والرسالة. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ( وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ).. أي أن الخير لا يخضع لرغبة الكافرين وأمانيهم.. والله ينزل الخير لمن يشاء.. والله قد قسم بين الناس أمور حياتهم الدنيوية.. فكيف يطلب الكافرون أن يخضع الله منهجه لإرادتهم؟ واقرأ قوله تبارك وتعالى وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـاذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ([الزخرف: 31-32]
اعترض الكفار على نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا لو نزل على رجل من القريتين عظيم.. فيرد عليهم سبحانه وتعالى.. أنتم لا تقسمون رحمة الله ولكن الله يقسم بينكم حياتكم في الدنيا.
الحق تبارك وتعالى في الآية التي نحن بصددها يقول: ( وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ).. ساعة تقرأ كلمة يختص تفهم أن شيئا خصص لشيء دون غيره.. يعني أنني خصصت فلانا بهذا الشيء: ( وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ).. أي يعطي الرحمة لمن يشاء لكي يؤدي مهمته أو ينزل رحمته على من يشاء، فليس لهؤلاء الكفار أن يتحكموا في مشيئة الله، وحسدهم وكراهيتهم للمؤمنين لا يعطيهم حق التحكم في رحمة الله.. ولذلك أراد الله أن يرد عليهم بأن هذا الدين سينتشر ويزداد المؤمنون به.. وسيفتح الله به أقطارا ودولا.. وسيدخل الناس فيه أفواجا وسيظهره على الدين كله.
ولو تأملنا أسباب انتصار أي عدو على من يعاديه لوجدنا إنها إما أسباب ظاهرة واضحة وإما مكر وخداع.. بحيث يظهر العدو لعدوه أنه يحبه ويكيد له في الخفاء حتى يتمكن منه فيقتله.. ولقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سرا.. لماذا؟ لأن الله أراد أن يقول لقريش لن تقدروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو بالمكر والخداع والتبييت.. هم بيتوا الفتية ليقتلوه.. وجاءوا من كل قبيلة بفتى ليضيع دمه بين القبائل.. وخرج صلى الله عليه وسلم ووضع التراب على رءوس الفتية.. الله أرادهم أن يعرفوا أنهم لن يقدروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكر والتبييت والخداع ولا بالعداء الظاهر.
قوله تعالى: ( وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ).. الفضل هو الأمر الزائد عن حاجتك الضرورية.

. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان معه فضل ظهر فَلْيَعُدْ به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له "
وفضل مال أي مال زائد على حاجته. هذا عن الفضل بالنسبة للبشر. أما بالنسبة لله سبحانه وتعالى فإن كل ما في كون الله الآن وفي الآخرة هو فضل الله لأنه زائد على حاجته؛ فالله غير محتاج لخلقه ولا لكل نعمه التي سبقت والتي ستأتي. ولذلك قال: ( وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ).. أي ذو الفضل الهائل الزائد على حاجته؛ لأنه ربما يكون عندي فضل، ولكني أبقيه لأنني سأحتاج إليه مستقبلا. والفضل الحقيقي هو الذي من عند الله. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى هو ذو الفضل العظيم؛ لأنه غير محتاج إلى كل خلقه أو كونه؛ لأن الله سبحانه كان قبل أن يوجد شيء، وسيكون بعد ألا يوجد شيء. وهذا ما يسمى بالفضل العظيم.


مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)


 


رد مع اقتباس
قديم 21-08-2016, 02:36 PM   #383

إدارة المنتدى
مراقب المنتديات التقنية والفنية


الصورة الرمزية دكتور علاء
دكتور علاء غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 8315
 تاريخ التسجيل :  Feb 2011
 أخر زيارة : 21-05-2018 (02:28 AM)
 المشاركات : 19,910 [ + ]
 التقييم :  1241
 الدولهـ
Egypt
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
علاء الدين
لوني المفضل : #B45F04
افتراضي رد: خواطر الشعراوى (متجدد )



ولكن ما هو السبب؟ السبب أن أهل الكتاب والمشركين لا يريدون خيرا للمؤمنين في دينهم؛ لأنهم أحسوا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في زمنه خير مما جاء به موسى وبقى إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم.. وخير مما جاء به عيسى في زمن محمد صلى الله عليه وسلم. وليس معنى ذلك أننا نحاول أن ننقص ما جاء به الرسل السابقون.. لكننا نؤكد أن الرسل السابقين جاءوا في أزمانهم بخير ما وُجد في هذه الأزمان.. فكل رسالة من الرسالات التي سبقت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وجاءت لقوم محدّدين ولزمن محدّد ثم جاء نبي جديد لينسخ ما في الرسالة السابقة لقوم محددين.. وزمن محدد.. واقرأ قول عيسى عليه السلام حينما بعث إلى بني إسرائيل كما يروي لنا القرآن الكريم وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ([آل عمران: 50]
فكأن عيسى عليه السلام جاء لينسخ بعض أحكام التوراة.. ويحل لبني إسرائيل بعض ما حرمه الله عليهم.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الرسول الخاتم أعطى الخير كله؛ لأنه دينه للعالمين وباق إلى يوم القيامة.
وهكذا نرى أن المؤمنين بالرسل كلما جاء رسول جديد كانوا ينتقلون من خير إلى خير.. وفيما تتفق فيه الرسالات كانوا ينتقلون إلى مثل هذا الخير.. وذلك فيما يتعلق بالعقائد، وإلى زيادة في الخير فيما يتعلق بمنهج الحياة.. هناك في رسالات السماء كلها أمور مشتركة لا فرق فيها بين رسول ورسول وهي قضية الإيمان بإله واحد أحد له الكمال المطلق.. سبحانه في ذاته، وسبحانه في صفاته، وسبحانه في أفعاله.. كل ذلك قدر الرسالات فيه مشترك.. ولكن الحياة في تطورها توجد فيها قضايا لم تكن موجودة ولا مواجهة في العصر الذي سبق.. فإذا قلنا إن رسالة بقيمتها العقائدية تبقى.. فإنها لا تستطيع أن تواجه قضايا الحياة التي ستأتي بها العصور التي بعدها فيما عدا الإسلام.. لأنه جاء دينا خاتما لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة.. على أننا نجد من يقول وماذا عن قول الله سبحانه وتعالى شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ([الشورى: 13]
نقول إن هذا يأتي في شيء واحد.. يتعلق بالأمر الثابت في رسالات السماء وهو قضية قمة العقيدة والإيمان بالله الواحد.

. أما فيما يتعلق بقضايا الحياة فإننا نجد أحكاما في هذه الحركة حسب ما طرأ عليها من توسعات.. ولذلك عندما جاء محمد صلى الله عليه وسلم أعطى أشياء يعالج بها قضايا لم تكن موجودة في عهد الرسل السابقين.
يقول الله تبارك وتعالى: ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ).. كلمة ننسخ معناها نزيل آية كانت موجودة ونأتي بآية أخرى بدلا منها.. كما يقال نسخت الشمس الظل.. أي أن الظل كان موجودا وجاءت الشمس فمحته وحلت هي مكانه.. ويقال نسخت الكتاب أي نقلته إلى صور متعددة، ونسخ الشيب الشباب أي أصبح الشاب شيخا..
وقوله تعالى " ننسها " لها معان متعددة.. قد يعني ذلك أن الله يجعل الإنسان يسهو ويغفل عنها.. فتضيع من ذاكرته أو يتركها إلى غيرها.. والعلماء إختلفوا في هذه المسألة.. وكان هذا الاختلاف لأن أحدهم يلحظ ملحظا وغيره يلحظ ملحظا آخر وكلاهما يريد الحق..
نأتي للنسخ في القرآن الكريم.. قوم قالوا لا نسخ في القرآن أبدا.. لماذا؟ لأن النسخ بداء على الله.. ما معنى البداء؟ هو أن تأتي بحكم ثم يأتي التطبيق فيثبت قصور الحكم عن مواجهة القضية فيعدل الحكم.. وهذا محال بالنسبة لله سبحانه وتعالى.. نقول لهم طبعا هذا المعنى مرفوض ومحال أن يطلق على الله تبارك وتعالى.. ولكننا نقول إن النسخ ليس بداء، وإنما هو إزالة الحكم والمجيء بحكم آخر.. ونقول لهم ساعة حكم الله الحكم أولا فهو سبحانه يعلم أن هذا الحكم له وقت محدود ينتهي فيه ثم يحل مكانه حكم جديد.. ولكن الظرف والمعاجلة يقتضيان أن يحدث ذلك بالتدريج.. وليس معنى ذلك أن الله سبحانه قد حكم بشيء ثم جاء واقع آخر أثبت أن الحكم قاصر فعدل الله عن الحكم.. إن هذا غير صحيح.
لماذا؟.. لأنه ساعة حكم الله أولا كان يعلم أن الحكم له زمن أو يطبق لفترة.. ثم بعد ذلك ينسخ أو يبدل بحكم آخر. إذن فالمشرع الذي وضع هذا الحكم وضعه على أساس أنه سينتهي وسيحل محله حكم جديد..
وليس هذا كواقع البشر.. فأحكام البشر وقوانينهم تعدل لأن واقع التطبيق يثبت قصور الحكم عن مواجهة قضايا الواقع.. لأنه ساعة وضع الناس الحكم علموا أشياء وخفيت عنهم أشياء.. فجاء الواقع ليظهر ما خفى وأصبح الحكم لابد أن ينسخ أو يعدل.. ولكن الأمر مع الله سبحانه وتعالى ليس كذلك.. أمر الله جعل الحكم موقوتا ساعة جاء الحكم الأول.
مثلا حين وجه الله المسلمين إلى بيت المقدس.

. أكانت القضية عند الله أن القبلة ستبقى إلى بيت المقدس طالما وجد الإسلام وإلى يوم القيامة؟ ثم بدا له سبحانه وتعالى أن يوجه المسلمين إلى الكعبة؟ لا.. لم تكن هذه هي الصورة.. ولكن كان في شرع الله أن يتوجه المسلمون أولا إلى بيت المقدس فترة ثم بعد ذلك يتوجهون إلى الكعبة إلى يوم القيامة.
إذن فالواقع لم يضطر المشرع إلى أن يعدل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.. وإنما كان في علمه وفي شرعه أنه سيغير القبلة بعد فترة إلى الكعبة.. ولعل لذلك هدفا إيمانيا في أن العلة في الأمور هي أنها من الله؛ فالاتجاه إلى بيت المقدس أو الاتجاه إلى الكعبة لا يكلف المؤمنين جهدا إيمانيا إضافيا.. ولا يضع عليهم تكاليف جديدة. فالجهد نفسه الذي أبذله للاتجاه إلى الشرق أبذله للاتجاه إلى الغرب. ولكن الاختبار الإيماني أن تكون علة الأمر أنه صادر من الله.. فإذا قال الله اتجه إلى بيت المقدس إتجهنا.. فإذا قال اتجه إلى الكعبة اتجهنا.. ولا قدسية لشيء في ذاته.. ولكن القدسية لأمر الله فيه.
والله تبارك وتعالى حين أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم لم يسجدوا لذات آدم ولكنهم سجدوا لأمر الله بالسجود لآدم. والله سبحانه وتعالى اختار الكعبة المشرفة بيتا ومسجدا له في الأرض.. واتخذت الكعبة مقامها العالي عند المسلمين ليس لأنها بقعة في مكان ما جاءها إبراهيم والأنبياء وحج إليها الناس، ولكن مقامها جاء من أنها هي بيت الله باختيار الله لها.. وكل مساجد الأرض هي بيوت الله باختيار خلق الله.. ولكن المسجد الوحيد الذي هو بيت الله باختيار الله هو الكعبة.. ولذلك كان لا بد لكل المساجد التي هي باختيار خلق الله.. أن تتجه إلى المسجد الذي هو باختيار الله.. ولكن العلة الإيمانية الكبرى هي أن نؤمن أن صدور الأمر من الله هو الحيثية لاتباع هذا الأمر دون أن نبحث عن أسبابه الدنيوية.
فإذا قال الله سبحانه وتعالى الصلاة خمس مرات في اليوم.. فدون أن نبحث عن السبب أو نقول لماذا خمسة؟ فلننقص منها.. دون أن نفعل ذلك نصلي خمس مرات في اليوم والسبب أن الله قال، وهكذا الزكاة، وهكذا الصوم وهكذا الحج.. كلها تتم طاعة لله.. وهكذا تغيير القبلة تم اختباراً للطاعة الإيمانية لله.. فالله موجود في كل مكان.. فلا يأتي أحد ليقول لماذا الكعبة؟ وهل الله ليس موجوداً إلا في الكعبة؟ نقول لا إنه موجود في كل مكان.. ولكنه أمرنا أن نتجه إلى الكعبة.. ونحن لا نتجه إليها لأننا نعتقد أن الله تبارك وتعالى موجود في هذا المكان فقط.

. ولكن طاعة لأمر الله الذي أمرنا أن تكون قبلتنا إلى الكعبة.
ولعل تغيير القبلة يعطينا فلسفة نسخ الآيات.. لماذا؟ لأنه لم توجد أية ظروف أو تجد وقائع، أو تظهر أشياء كانت خفية تجعل الاتجاه إلى بيت المقدس صعبا أو محوطا بالمشاكل أو غير ذلك، ولكن تغيير القبلة جاء هنا لأن الله سبحانه وتعالى شاء أن يتوجه المسلمون إلى بيت المقدس فترة ثم يتوجهوا إلى الكعبة إلى يوم القيامة.
إذن فكل آية نسخت كان في علم الله سبحانه وتعالى أنها ستطبق لفترة معينة ثم بعد ذلك ستعدل.. وكان كل من الحكم الذي سينسخ، والوقت الذي سيستغرقه، والحكم الذي سيأتي بعده معلوما عند الله تبارك وتعالى ومقررا منذ الأزل وقبل بداية الكون.. وأيضا فإن الله أراد أن يلفتنا بالتوجه إلى بيت المقدس أولا.. لأن الإسلام دين يشمل كل الأديان، وأن بيت المقدس سيصبح من مقدسات الإسلام.. وأنه لا يمكن لأحد أن يدعي أن المسلمين لن يكون لهم شأن في بيت المقدس، لذلك أسرى الله سبحانه وتعالى برسوله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس.. ليثبت أن لبيت المقدس قداسة في الإسلام وإنه من المقدسات عند الله.. ومن هنا كان التوجه إلى بيت المقدس كقبلة أولى، ثم نسخ الله القبلة إلى الكعبة.. فالحق جل جلاله يقول: ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ).. أي أن النسخ يكون إما أن يأتي الله سبحانه وتعالى بخير من هذه الآية أو يأتي بمثلها.. وهل الآية المنسوخة كان هناك خير منها ولم ينزله الله؟ نقول لا.. المعنى أن الآية المنسوخة كانت خيراً في زمانها.. والحكم الثاني كان زيادة في الخير بعد فترة من الزمن.. كلاهما خير في زمنه وفي أحكامه.. والله تبارك وتعالى أنزل الآية الكريمة ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ([آل عمران: 102]
ولكن من يستطيع أن يتقي الله حق تقاته.. ذلك صعب على المسلمين.. ولذلك عندما نزلت الآية قالوا ليس منا من يستطيع أن يتقي الله حق تقاته.. فنزلت الآية الكريمة فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ([التغابن: 16]
الذي يتقي الله حق تقاته خير، أم الذي يتقي الله ما استطاع؟ طبعا حق تقاته خير من قدر الاستطاعة.. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ).. نقول إنك لم تفهم عن الله.. ( اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) في الآية الأولى أو ( فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) في الآية الثانية.. أي الحالتين أحسن؟ نقول إن العبرة بالنتيجة.

. عندما تريد أن تقيم شيئا لابد أن تبحث عن نتيجته أولا.


 


رد مع اقتباس
قديم 21-08-2016, 02:37 PM   #384

إدارة المنتدى
مراقب المنتديات التقنية والفنية


الصورة الرمزية دكتور علاء
دكتور علاء غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 8315
 تاريخ التسجيل :  Feb 2011
 أخر زيارة : 21-05-2018 (02:28 AM)
 المشاركات : 19,910 [ + ]
 التقييم :  1241
 الدولهـ
Egypt
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
علاء الدين
لوني المفضل : #B45F04
افتراضي رد: خواطر الشعراوى (متجدد )



ولنقرب المعنى للأذهان سنضرب مثلا ولله المثل الأعلى.. نفرض أن هناك تاجرا يبيع السلع بربح خمسين في المائة.. ثم جاء تاجر آخر يبيع نفس السلع بربح خمسة عشر في المائة.. ماذا يحدث؟ سيقبل الناس طبعا على ذلك الذي يبيع السلع بربح خمسة عشر في المائة ويشترون منه كل ما يريدون، والتاجر الذي يبيع السلع بربح خمسين في المائة يحقق ربحا أكبر.. ولكن الذي يبيع بربح خمسة عشر في المائة يحقق ربحا أقل ولكن بزيادة الكمية المبيعة.. يكون الربح في النهاية أكبر.
والذي يطبق الآية الكريمة: ( اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) يحقق خيرا أكبر في عمله.. ولكنه لا يستطيع أن يتقي الله حق تقاته إلا في أعماله محدودة جدا.
إذن الخير هنا أكبر ولكن العمل الذي تنطبق عليه الآية محدود.
أما قوله تعالى: ( فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) فإنه قد حدد التقوى بقدر الاستطاعة.. ولذلك تكون الأعمال المقبولة كثيرة وإن كان الأجر عليها أقل.
عندما نأتي إلى النتيجة العامة.. أعمال أجرها أعلى ولكنها قليلة ومحدودة جدا.. وأعمال أجرها أقل ولكنها كثيرة.. أيهما فيه الخير؟ طبعا الأعمال الكثيرة ذات الأجر الأقل في مجموعها تفوق الأعمال القليلة ذات الأجر المرتفع.
إذن فقد نسخت هذه الآية بما هو خير منها.. رغم أن الظاهر لا يبدو كذلك، لأن اتقاء الله حق تقاته خير من اتقاء الله قدر الاستطاعة.. ولكن في المحصلة العامة الخير في الآية التي نصت على الاستطاعة..
نأتي بعد ذلك إلى قوله تعالى: ( أَوْ مِثْلِهَا ).. هنا توقف بعض العلماء: قد يكون مفهوما أن ينسخ الله آية بخير منها، ولكن ما هي الحكمة في أن ينسخها بمثلها؟ إذا كانت الآية التي نسخت مثل الآية التي جاءت.. فلماذا تم النسخ؟ نقول إننا إذا ضربنا مثلا لذلك فهو مثل تغيير القبلة.. أن الله تبارك وتعالى حين أمر المسلمين بالتوجه إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس نسخ آية بمثلها.. لأن التوجه إلى الكعبة لا يكلف المؤمن أية مشقة أو زيادة في التكليف.. فالإنسان يتوجه ناحية اليمين أو إلى اليسار أو إلى الأمام أو إلى الخلف وهو نفس الجهد.. والله سبحانه وتعالى كما قلنا موجود.. وهنا تبرز الطاعة الإيمانية التي تحدثنا عنها وأن هناك أفعالا نقوم بها لأن الله قال.. وهذه تأتي في العبادات لأن العبادة هي طاعة عابد لأمر معبود.. والله تبارك وتعالى يريد أن نثبت العبودية له عن حب واختيار.. فإن قال افعلوا كذا فعلنا.. وإن قال لا تفعلوا لا نفعل.

. والعلة في هذا أننا نريد اختياراً أن نجعل مراداتنا في الكون خاضعة لمرادات الله سبحانه وتعالى.. إذن مثلها لم تأت بلا حكمة بل جاءت لحكمة عالية.
والحق سبحانه وتعالى يقول: ( أَوْ نُنسِهَا ) ما معنى ننسها؟ قال بعض العلماء إن النسخ والنسيان شيء واحد.. ولكن ساعة قال الله الحكم الأول كان في إرادته ومشيئته وعلمه أن يأتي حكم آخر بعد مدة.. ساعة جاء الحكم الأول ترك الحكم الثاني في مشيئته قدرا من الزمن حتى يأتي موعد نزوله.
إذن فساعة يأتي الحكم الأول.. يكون الحكم مرجأ ولكنه في علم الله. ينتظر انقضاء وقت الحكم الأول: ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ) هي الآية المنسوخة أو التي سيتم عدم العمل بها: ( أَوْ نُنسِهَا ).. أي لا يبلغها الله للرسول والمؤمنين عن طريق الوحي مع أنها موجودة في علمه سبحانه.. ويجب أن نتنبه إلى أن النسخ لا يحدث في شيئين:
الأول: أمور العقائد فلا تنسخ آية آية أخرى في أمر العقيدة.. فالعقائد ثابتة لا تتغير منذ عهد آدم حتى يوم القيامة.. فالله سبحانه واحد أحد لا تغيير ولا تبديل، والغيب قائم، والآخرة قادمة والملائكة يقومون بمهامهم.. وكل ما يتعلق بأمور العقيدة لا ينسخ أبدا..
والثاني: الإخبار من الله عندما يعطينا الله تبارك وتعالى آية فيها خبر لا ينسخها بآية جديدة.. لأن الإخبار هو الإبلاغ بشيء واقع.. والحق سبحانه وتعالى إخباره لنا بما حدث لا ينسخ لأنه بلاغ صدق من الله.. فلا تروى لنا حادثة الفيل ثم تنسخ بعد ذلك وتروى بتفاصيل أخرى لأنها أبلغت كما وقعت.. إذن لا نسخ في العقائد والإخبار عن الله.. ولكن النسخ يكون في التكليف.. مثل قول الحق تبارك وتعالى ياأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ([الأنفال: 65]
كأن المقياس ساعة نزول هذه الآية أن الواحد من المؤمنين يقابل عشرة من الكفار ويغلبهم.. ولكن كانت هذه عملية شاقة على المؤمنين.. ولذلك نسخها الله ليعطينا على قدر طاقتنا.. فنزلت الآية الكريمة الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ([الأنفال: 66]
والحق سبحانه وتعالى علم أن المؤمنين فيهم ضعف.. لذلك لن يستطيع الواحد منهم أن يقاتل عشرة ويغلبهم.. فنقلها إلى خير يسير يقدر عليه المؤمنون بحيث يغلب المؤمن الواحد اثنين من الكفار.. وهذا حكم لا يدخل في العقيدة ولا في الإخبار.. وفي أول نزول القرآن كانت المرأة إذا زنت وشهد عليها أربعة يمسكونها في البيت لا تخرج منه حتى تموت.


 


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
متجدد, الشعراوي, خواطر


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تراث الإمام محمد متولى الشعراوى موسوعة خواطر الإمام حول القرآن الكريم أحمد رحال كتب إسلامية 8 26-11-2014 02:32 PM
خواطر ولد العم (متجدد) سيد عبيد همس الشعر العامى 15 30-05-2014 10:06 AM
خواطر الشيخ الشعراوى زهرة الوادى همسات عن شيخنا الجليل الشعراوي 9 06-08-2012 06:06 AM
خواطر الشيخ الشعراوي في تفسير ولقد همت به وهم بها بسمة وزهرة همس الوفاء للاستاذة بسمة وزهرة رحمها الله 7 22-08-2011 09:22 PM


الساعة الآن 09:13 AM بتوقيت القاهرة




Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir
جميع المواضيع تعبر عن رأى كاتبها فقط دون ادنى مسئولية على المنتدى
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010