جذور الحرب: ما بين أزمة السويس ويونيو 1967
انتهت أزمة السويس بانسحاب إسرائيلي من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة في 8 مارس/آذار 1957 كما اتفقت إسرائيل ومصر على دخول قوات دولية تابعة لـلأمم المتحدة (unef) إلى المناطق التي انسحبت منها إسرائيل لحماية وقف إطلاق النار. بعد الانسحاب أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أن إسرائيل ستعتبر إعادة إغلاق الممر المائي في تيران أمام سفن إسرائيلية سبباً لحرب. بين مارس/آذار 1957 وأبريل/نيسان 1967 كانت الحدود بين إسرائيل ومصر هادئة نسبياً، بينما تكثفت الإشتباكات بين إسرائيل وسورية في 1964 بشأن النزاع على استغلال مياه نهر الأردن.
في نوفمبر/تشرين الثاني 1966، انتهى التفاهم بين الحكومتين الإسرائيلية والأردنية بشأن تهدئة الحدود الطويلة بين البلدين حيث قُتل 3 جنود إسرائيليين بانفجار لغم على خط الهدنة قرب قرية السموع بجنوبي الضفة الغربية في لواء الخليل الذي كان تابعا للمملكة الأردنية الهاشمية، فشنّ الجيش الإسرائيلي هجوماً متذرعًا بهذه الحجة على قرية السموع الحدودية وهدم بيوتاً كثيرةً فيها وإدعت إسرائيل آنذاك أن 50 أردنياً وإسرائيلياً واحداً قُتلوا في تلك المعركة. وحسب تقارير الأمم المتحدة فإن خسائر الجيش الأردني لم تزد عن 16. وقد أعلن الإسرائيليون فيما بعد أن قائد الحملة الإسرائيلية في هذه المعركة قتل فيها أثناء القتال. وكان قد ورد في قرارات الأمم المتحدة عند إعلان وقف إطلاق النار عام 1948 في أحد شروطها أن تخلو الضفة الغربية من الأسلحة الثقيلة كالدبابات والمدفعية الثقيلة. إلا أن استخدام الإسرائيليين لهذه الأسلحة في هذه المعركة، حرض سكان الضفة على المطالبة بإدخال الأسلحة الثقيلة، مما حدا بالملك حسين بإقرار دخولها20 نوفمبر/تشرين الثاني 1966 تحسبا لأي هجوم آخر بنفس المستوى.
طوال الشهور الأول من عام 1967 كانت الجبهة السورية مع إسرائيل مشتعلة بنيران متقطعة بين الجانبين، بسبب الاشتباكات المدفعية بين الجانبين و تسلل وحدات من المهاجمين الفلسطينين إلى داخل إسرائيل و تسلل وحدات كوماندوز إسرائيلية إلى داخل سوريا من جانب آخر[11],كان الاتجاه العام داخل إسرائيل يميل للتصعيد العسكري مع سوريا إلا أن ليفي أشكول رئيس الوزراء لم يكن في صف التصعيد إلا أن الضغط العسكري و شكاوي المستوطنات الإسرائيلية على الحدود دفعت باتجاه التصعيد بصورة أكبر[12]، ففي يوم 5 أبريل/نيسان أعلن ليفي أشكول في الكنيست: "إن إسرائيل قررت أن ترد بالطريقة التي تراها ملائمة على سوريا, و أن الطريق إلى دمشق مفتوح"[13], في 7 أبريل (نيسان) 1967 أسقطت إسرائيل 6 طائرات سورية من طراز ميغ 21(إثنتان داخل سوريا و أربع أخرى منهم ثلاث طائرات داخل الأردن[14]) على خلفية تصاعد التوتر بين الجانبين، و تبادل لإطلاق النار و القصف، و أمر الملك حسين بتسليم الطيارين الثلاثة (وهم النقباء وقتها علي عنتر و محي الدين داوود و أحمد القوتلي)الذين هبطو بالمظلات داخل الأردن إلى سوريا[15]. بعد أحداث 7 نيسان/أبريل كانت التوقعات تقريبا على كل الأصعدة بأن الحرب ستنشب بين سوريا و إسرائيل لا محالة، فعلى الجانب السوري زادت العمليات الفلسطينية ضد الإسرائيليين، و على الجانب الإسرائيلي هدد رابين و أشكول الجانب السوري بان الأسوأ لم يأت بعد، فوكالة المخابرات الأمريكية أخبرت الرئيس جونسون بإحتمال وقوع تحركات ضد سوريا، و توصل المصريون إلى نفس الاستنتاج، كان أخطر التهديدات الإسرائيلية لسوريا ما نشرته وكالة أخبار الدولية للنشر (upi)، كان الاعتقاد السائد وقتها ان المصدر المجهول لهذه التصريحات هو رابين، لكن ذلك المصدر كان الجنرال أهارون ياريف، رئيس الاستخبارات العسكرية، أثارت هذه التصريحات موجة عارمة من القلق على الصعيد العربي[16]، في 28 أبريل/نيسان أبلغ وكيل وزارة الخارجية السوفيتية سيميونوف نائب الرئيس المصري أنور السادات أن ليفي أشكول بعث برسالة إلى ألكسي كوسيغين رئيس الوزراء السوفيتي حول الأوضاع على الجبهة السورية الإسرائيلية يحمل فيها سوريا مسؤولية الاستفزاز، و أن رئيس الوزراء الروسي قام بتقريع السفير الإسرائيلي بسبب حشدها لقوات ضد سوريا، فأخبره السفير الإسرائيلي أنه مخول بنفي تلك المعلومات، و أن ليفي أشكول طلب من السفير الروسي الذهاب بنفسه لزيارة الجبهة الشمالية للتأكد، فرفض الاخير معللاً ذلك بقدرة الإتحاد السوفيتي على معرفة الحقيقة بوسائله الخاصة[17],في 13 مايو 1967 أبلغ مندوب المخابرات السوفييتي "سيرغي" (كان مستشاراً بالسفارة السوفييتية بالقاهرة) مدير المخابرات العامة المصرية بأنه يوجد 11 لواءا إسرائيليًا محتشدًا على الجبهة السورية [18],في 14 مايو أصدر المشير عبد الحكيم عامر أوامره بوضع جميع وحدات الجيش المصري على أهبة الاستعداد, بسبب الحشود الإسرائيلية الكثيفة على الحدود مع سوريا, و عندما ناقشه رئيس العمليات اللواء أنور القاضي في عدم جاهزية الجيش للحرب, اخبره المشير بأللا يقلق, فالقتال لم يكن جزءا من الخطة الموضوعة و إنما استعراض كرد على التهديدات الإسرائيلية لسوريا[19].في 15 مايو ذهب الفريق محمد فوزي إلى سوريا, ولم يستطع الحصول على أي معلومة تؤيد المعلومات الروسية, حتى الصور الجوية لم تظهر أي تغيير في مواقع القوات الإسرائيلية في يومي 12 و 13 مايو[19]. في 15 أيار/مايو بدأت مصر بتكثيف قواتها في سيناء، و نظر إلى هذه التحركات من قبل الاستخبارات الأمريكية و البريطانية على أنها "تحركات دفاعية تهدف لإظهار للتضامن مع السوريين في وجه التهديدات الإسرائيلية", حتى ان الإسرائيلين لم يظهروا قلقا كبيرا تجاه هذا التحركات, حتى عندما حذر رابين أنهم لا يمكنهم ترك الجنوب بدون تعزيزات، لم يثر الأمر قلقا كبيرا لتشابه تلك الخطوة مع تحركات سابقة تمت عام 1960 في ظل مشاكل حدثت على الجبهة السورية وقتها، وذهب القادة الإسرائيلين للمشاركة في احتفال عسكري بالذكري التاسعة عشرة لقيام دولة إسرائيل[19]. و في 16 مايو طالبت مصر القوات الدولية بالخروج من أراضيها في خطاب وجهه الفريق أول محمد فوزي إلى قائد القوات الدولية الجنرال الهندي ريخي و قام بتسليمه العميد عز الدين مختار يطالبه فيه بسحب جميع جنوده، للحفاظ على سلامتهم، و ذلك بسبب حالة التأهب التي عليها الجيش و تركيز القوات على الحدود الشرقية استعدادًا لأي هجوم من إسرائيل[20].في البداية تعامل الإسرائيليون بتفهم مع التحركات المصرية، كان الإسرائيليون ما يزالون في حالة تركيز على الوضع السوري[21]. في 22 أيار/مايو أعلنت مصر إغلاق مضيق تيران أمام السفن إسرائيلية المتجهة إلى ميناء إيلات. اعتبرت إسرائيل هذه الخطوة إعلان حرب نسبة إلى تصريح رئيس وزرائها بعد أزمة السويس وتكثيف القوات المصرية في سيناء.
في 5 يونيو/حزيران 1967 شن سلاح الجو الإسرائيلي هجوما مباغتًا على جميع المرافق الجوية المصرية ودمرها خلال 3 ساعات مطلقا بذلك شرارة الحرب