طارق المجرى
01-10-2009, 02:52 PM
مقاومة الاحتلال.. لها وجوه كثيرة ما بين الأسلحة السلمية في الهند.. والدموية في أمريكا
غاندي قهر الاستعمار البريطاني بالمقاطعة والعصيان بدون أي عنف نهي حامد
الحرية كنز لا يعرف قيمتها إلا من حرم منها.. هذا هو
لسان حال كل بلد ظل لسنوات قابعاً في ظلمات الاحتلال وحاول بكل الطرق
الحصول علي حريته.
تختلف أساليب الاستقلال وإنهاء الاحتلال من بلد لآخر لأن للمقاومة أكثر من
وجه وقد تكون آثار انتهاء الاحتلال أكثر خطورة من الاستعمار نفسه الذي يسعي
لطمس هوية البلد المحتل.
معظم الدول المحتلة تعتبر أن استخدام القوة هو السبيل الوحيد لطرد مغتصبي
الأرض انطلاقاً من مبدأ "العين بالعين والبادي أظلم".. أما غاندي- رجل المقاومة
الاول في العالم من وجهة نظري- كان يري أن سياسة "العين بالعين" تجعل
العالم بأكمله أعمي.
ظل غاندي طوال فترة حياته مؤمنا بسياسة المقاومة السلمية التي تقوم علي نبذ العنف وإقناع المحتل بالرحيل دون خسائر تاركا خلفه بعض المكاسب إن امكن.
إن النصر الناتج عن العنف هو مساو للهزيمة لأنه سريع الانقضاء لذلك فلن
نبحث عن النصر الذي يزول بسرعة وإنما نفكر في النصر الدائم الذي يثبت امام
تقادم الاعوام "كانت هذه الكلمات من اشهر كلمات المهاتما
غاندي عندما
يسأل عن اسلوبه في المقاومة.. تعتمد فلسفة غاندي علي تبني مبدأ
العصيان السلمي وكان كثيرا يؤكد "إن اللاعنف هو اعظم قوة متوفرة للبشرية
واقوي من أشد سلاح دمار تم تصميمه ببراعة الإنسان".
استطاع غاندي قهر الاحتلال البريطاني مستخدماً سلاح المقاطعة فكان أول من
قاطع البضائع البريطانية واستبدلها بالمنتجات الهندية المحلية التي لا تساوي
شيئاً- وقتها- بمثيلتها الانجليزية.. وعندما قرر غاندي مقاطعة الملح البريطاني
اجبر الامبراطورية القوية علي التفاوض معه بهدف إنهاء الاحتلال بعد ان تسببت
مقاطعة الملح في خسائر فادحة للبريطانيين.
بعد حصول الهند علي الاستقلال بدأت في ترتيب البيت الداخلي مستفيدة من
تجارب الماضي ومن خبرات اكتسبتها من سنوات الاستعمار حيث ينسب
المؤرخون الفضل إلي العهد البريطاني في منح الهند فكرة سيادة القانون
والديمقراطية البرلمانية والحكومة الدستورية وجهاز الحكومة المنظم وقوة
الشرطة والنظام العسكري والقانوني.
ولكن بعد أكثر من ستين عاماً من الاستقلال قد يتساءل البعض ماذا بقي من
تقاليد وفلسفة غاندي السلمية في الهند التي دخلت في سباق لا نهاية له
للتسلح بكافة انواع الاسلحة حتي النووي منها!
علي النقيض تماماً من سياسة غاندي السلمية نجد أن الولايات المتحدة لا
تعتمد سوي علي استخدام القوة سواء داخلية أو خارجياً.. فمنذ تأسيس
امريكا كدولة ذات كيان وسيادة استخدم الامريكان سياسة القمع والابادة
الدموية ضد السكان الاصليين من الهنود الحمر وكان المبرر السائد في ذلك
الوقت لاستخدام العنف هو ان هذه القوة ضرورة ومشروعة لبسط سلطة العدل
ومحاربة من تصفهم بالاشرار!
حتي عندما رغبت امريكا في الحصول علي الاستقلال من الاحتلال البريطاني
استخدمت القوة في حرب استمرت لسنوات راح ضحيتها المئات من الاشخاص.
وبالرغم من الدموية الشديدة في الحصول علي الحرية خرجت الولايات المتحدة
من حرب الاستقلال منتصرة رغم ان عدد الولايات وقتها كان 13 ولاية فقط وبعدد
سكان لا يتجاوز الاربعة ملايين نسمة.. لكن بعد نحو قرن ونصف القرن من
الحرية تمكنت امريكا من ان تصبح القوة العظمي في العالم صاحبة الكلمة
الاولي في اتخاذ القرارات ونجحت في فرض مبدأ القوة في تعاملاتها مع الآخرين
واثبات ان الخيار العسكري القمعي افضل من الحلول الدبلوماسية السلمية.
استعمار امريكي للمحتل السابق
في الماضي كان ينظر لاوروبا علي أنها أكبر قوة استعمارية في العالم.. فمعظم
الدول العربية والآسيوية والافريقية خضعت للاحتلال من احدي الدول الاوروبية..
لكن بعد سنوات من انتهاء الاحتلال الاوروبي استسلمت القارة العجوز طواعية
للاحتلال الامريكي الذي خلا من أي اسلحة واقتصر علي الغزو الفكري
والاقتصادي والعسكري حتي اعادت الولايات المتحدة الماضي الاستعماري
للاوروبيين وتحولت اوروبا إلي جندي مطيع بين الصفوف الامريكية توجهه حيث
شاءت وتغمض عينيه عن آلاف المذابح والجرائم التي ترتكب باسمه تحت
مسمي الحرية والديمقراطية.
استقلال امريكا اللاتينية وحلم الوحدة
يعتبر الفنزويلي سيمون بوليفار صاحب حلم الوحدة بين دول امريكا الجنوبية
بعد حصولها علي الاستقلال من الاستعمار الاسباني.. كان بوليفار يري
أن "الاستقلال مجرد مسألة كسب حرب اما التضحيات الكبيرة هي جعل
الشعوب وطناً واحداً" وكانت سياسته تقوم علي إنهاء الاحتلال بأقل الخسائر
الممكنة وإذا لم تتحقق الوحدة في اسرع وقت سيكون للاعداء فرصة لإعادة
الاحتلال.
يظل حلم الوحدة بين شعوب المنطقة الواحدة راسخاً في أذهان كل من يؤمن
بسياسة بوليفار ولو تحقق الحلم لتغيرت اوضاع كثيرة في العالم وامكن للقادة
حقن دماء الملايين من الابرياء قتلوا لنيل حريتهم.
وبالرغم من المآسي المحيطة بنا والتي يتعرض لها مقاومو الاحتلال في العالم
فهناك معني عظيم يشير إلي انه مازال علي الارض من يدفع حياته ثمناً
للحرية والكرامة.
منقول من جريده الجمهوريه
بتاريخ: 10/1/2008
غاندي قهر الاستعمار البريطاني بالمقاطعة والعصيان بدون أي عنف نهي حامد
الحرية كنز لا يعرف قيمتها إلا من حرم منها.. هذا هو
لسان حال كل بلد ظل لسنوات قابعاً في ظلمات الاحتلال وحاول بكل الطرق
الحصول علي حريته.
تختلف أساليب الاستقلال وإنهاء الاحتلال من بلد لآخر لأن للمقاومة أكثر من
وجه وقد تكون آثار انتهاء الاحتلال أكثر خطورة من الاستعمار نفسه الذي يسعي
لطمس هوية البلد المحتل.
معظم الدول المحتلة تعتبر أن استخدام القوة هو السبيل الوحيد لطرد مغتصبي
الأرض انطلاقاً من مبدأ "العين بالعين والبادي أظلم".. أما غاندي- رجل المقاومة
الاول في العالم من وجهة نظري- كان يري أن سياسة "العين بالعين" تجعل
العالم بأكمله أعمي.
ظل غاندي طوال فترة حياته مؤمنا بسياسة المقاومة السلمية التي تقوم علي نبذ العنف وإقناع المحتل بالرحيل دون خسائر تاركا خلفه بعض المكاسب إن امكن.
إن النصر الناتج عن العنف هو مساو للهزيمة لأنه سريع الانقضاء لذلك فلن
نبحث عن النصر الذي يزول بسرعة وإنما نفكر في النصر الدائم الذي يثبت امام
تقادم الاعوام "كانت هذه الكلمات من اشهر كلمات المهاتما
غاندي عندما
يسأل عن اسلوبه في المقاومة.. تعتمد فلسفة غاندي علي تبني مبدأ
العصيان السلمي وكان كثيرا يؤكد "إن اللاعنف هو اعظم قوة متوفرة للبشرية
واقوي من أشد سلاح دمار تم تصميمه ببراعة الإنسان".
استطاع غاندي قهر الاحتلال البريطاني مستخدماً سلاح المقاطعة فكان أول من
قاطع البضائع البريطانية واستبدلها بالمنتجات الهندية المحلية التي لا تساوي
شيئاً- وقتها- بمثيلتها الانجليزية.. وعندما قرر غاندي مقاطعة الملح البريطاني
اجبر الامبراطورية القوية علي التفاوض معه بهدف إنهاء الاحتلال بعد ان تسببت
مقاطعة الملح في خسائر فادحة للبريطانيين.
بعد حصول الهند علي الاستقلال بدأت في ترتيب البيت الداخلي مستفيدة من
تجارب الماضي ومن خبرات اكتسبتها من سنوات الاستعمار حيث ينسب
المؤرخون الفضل إلي العهد البريطاني في منح الهند فكرة سيادة القانون
والديمقراطية البرلمانية والحكومة الدستورية وجهاز الحكومة المنظم وقوة
الشرطة والنظام العسكري والقانوني.
ولكن بعد أكثر من ستين عاماً من الاستقلال قد يتساءل البعض ماذا بقي من
تقاليد وفلسفة غاندي السلمية في الهند التي دخلت في سباق لا نهاية له
للتسلح بكافة انواع الاسلحة حتي النووي منها!
علي النقيض تماماً من سياسة غاندي السلمية نجد أن الولايات المتحدة لا
تعتمد سوي علي استخدام القوة سواء داخلية أو خارجياً.. فمنذ تأسيس
امريكا كدولة ذات كيان وسيادة استخدم الامريكان سياسة القمع والابادة
الدموية ضد السكان الاصليين من الهنود الحمر وكان المبرر السائد في ذلك
الوقت لاستخدام العنف هو ان هذه القوة ضرورة ومشروعة لبسط سلطة العدل
ومحاربة من تصفهم بالاشرار!
حتي عندما رغبت امريكا في الحصول علي الاستقلال من الاحتلال البريطاني
استخدمت القوة في حرب استمرت لسنوات راح ضحيتها المئات من الاشخاص.
وبالرغم من الدموية الشديدة في الحصول علي الحرية خرجت الولايات المتحدة
من حرب الاستقلال منتصرة رغم ان عدد الولايات وقتها كان 13 ولاية فقط وبعدد
سكان لا يتجاوز الاربعة ملايين نسمة.. لكن بعد نحو قرن ونصف القرن من
الحرية تمكنت امريكا من ان تصبح القوة العظمي في العالم صاحبة الكلمة
الاولي في اتخاذ القرارات ونجحت في فرض مبدأ القوة في تعاملاتها مع الآخرين
واثبات ان الخيار العسكري القمعي افضل من الحلول الدبلوماسية السلمية.
استعمار امريكي للمحتل السابق
في الماضي كان ينظر لاوروبا علي أنها أكبر قوة استعمارية في العالم.. فمعظم
الدول العربية والآسيوية والافريقية خضعت للاحتلال من احدي الدول الاوروبية..
لكن بعد سنوات من انتهاء الاحتلال الاوروبي استسلمت القارة العجوز طواعية
للاحتلال الامريكي الذي خلا من أي اسلحة واقتصر علي الغزو الفكري
والاقتصادي والعسكري حتي اعادت الولايات المتحدة الماضي الاستعماري
للاوروبيين وتحولت اوروبا إلي جندي مطيع بين الصفوف الامريكية توجهه حيث
شاءت وتغمض عينيه عن آلاف المذابح والجرائم التي ترتكب باسمه تحت
مسمي الحرية والديمقراطية.
استقلال امريكا اللاتينية وحلم الوحدة
يعتبر الفنزويلي سيمون بوليفار صاحب حلم الوحدة بين دول امريكا الجنوبية
بعد حصولها علي الاستقلال من الاستعمار الاسباني.. كان بوليفار يري
أن "الاستقلال مجرد مسألة كسب حرب اما التضحيات الكبيرة هي جعل
الشعوب وطناً واحداً" وكانت سياسته تقوم علي إنهاء الاحتلال بأقل الخسائر
الممكنة وإذا لم تتحقق الوحدة في اسرع وقت سيكون للاعداء فرصة لإعادة
الاحتلال.
يظل حلم الوحدة بين شعوب المنطقة الواحدة راسخاً في أذهان كل من يؤمن
بسياسة بوليفار ولو تحقق الحلم لتغيرت اوضاع كثيرة في العالم وامكن للقادة
حقن دماء الملايين من الابرياء قتلوا لنيل حريتهم.
وبالرغم من المآسي المحيطة بنا والتي يتعرض لها مقاومو الاحتلال في العالم
فهناك معني عظيم يشير إلي انه مازال علي الارض من يدفع حياته ثمناً
للحرية والكرامة.
منقول من جريده الجمهوريه
بتاريخ: 10/1/2008