zabadoo_forever
03-29-2007, 06:28 PM
بسم الله،والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد:
فقد ذمَّ الله سبحانه وتعالى الدنيا في مواطن كثيرةٍ من كتابه، وكذا رسوله صلى الله عليه وسلمفيما صحَّ عنه، وما ذاك إلا للتزهيد فيها والحثِّ على التقلُّلِ منها.
فقالتعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَالسَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُوَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّأَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
قال الشيخ عبد الرحمن السعديرحمه الله في تفسير هذه الآية: (وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالةالدنيا، فإن لذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتاً قصيراً،فإذا استكمل وتم اضمحل وزال عن صاحبه أو زال صاحبه عنه، فأصبح صفر اليدين منهاممتلئ القلب من همِّها وحزنها وحسرتها، فذلك؛ {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَالسَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ}، أي: نبت فيها من كل صنف وزوج بهيج {مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ}؛ كالحبوب والثمار ومما تأكل {الأنعام}؛ كأنواع العشبوالكلأ المختلف الأصناف، {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَاوَازَّيَّنَتْ}؛ أي: تزخرفت في منظرها، واكتست في زينتها، فصارت بهجة للناظرين،ونزهة للمتفرجين، وآية للمتبصرين، فصرت ترى لها منظراً عجيباً ما بين أخضر وأصفروأبيض وغيره، {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا}؛ أي: حصل معهمطمع بأن ذلك سيستمر ويدوم لوقوف إرادتهم عنده وانتهاء مطالبهم فيه، فبينما في تلكالحالة {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْلَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}؛ أي: كأنها ما كانت، فهذه حالة الدنيا سواءً بسواء، {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ}؛ أي: نبينها ونوضحها بتقريب المعاني إلى الأذهانوضرب الأمثال {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}؛ أي: يعملون أفكارهم فيما ينفعهم، وأماالغافل المعرض فهذا لا تنفعه الآيات ولا يزيل عنه الشك البيان).
وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌبَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَالْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًاوَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَاالْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
وقال تعالى: {قُلْمَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَفَتِيلاً}.
وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِأَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَامَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}.
وقال صلى الله عليهوسلم كما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما: (والله ما الفقر أخشى عليكم ولكني
أخشىأن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتُهلككمكما أهلكتهم).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلىالله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتحعليكم من زهرة الدنيا وزينتها) [متفق عليه].
وعنه رضي الله عنه أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: (إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظركيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) [رواه مسلم].
وعن أنس رضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يومالقيامة فيُصبغُ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مرَّ بكنعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويُؤتى بأشدِّ الناس بؤساً في الدنيا من أهلالجنة فيُصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرَّ بكشدةٌ قط؟ فيقول: لا والله ما مرَّ بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط) [رواه مسلم].
وعن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليهوسلم: (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع) [رواه مسلم].
وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّبالسوقِ والناس كتفيه فمرَّ بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأُذُنه ثم قال: (أيكم يُحبأن يكون هذا له بدرهم؟) فقالوا: ما نُحبُّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به! ثم قال: (أتُحبون أنه لكم؟) قالوا: والله لو كان حيَّاً كان عيباً إنه أسك فكيف وهو ميت،فقال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) [رواه مسلم]، والأَسَكّ: صغيرالأُذن.
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلمفي حرَّةٍ بالمدينة فاستقبلنا أُحُد فقال: (يا أبا ذر)، قلت: لبيك يا رسول الله،فقال: (ما يسرُّني أن عندي مثل أحدٍ هذا ذهباً تمضي عليَّ ثلاثة أيام وعندي منهدينار إلا شيء أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا) - عن يمينه وعنشماله ومن خلفه - ثم سار فقال: (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قالبالمال هكذا وهكذا - عن يمينه وعن شماله ومن خلفه - وقليلٌ ما هم) [متفقعليه].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدُّنيا سجن المؤمن، وجنَّة الكافر) [رواه مسلم].
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى منفوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) [متفق عليه]، وهذا لفظ مسلم وفيرواية البخاري: (إذا نظر أحدكم إلى من فَضُل عليه في المال والخَلْق فلينظر إلى منهو أسفل منه).
وغيرها من الآيات والأحاديث الكثيرة التي تُبيِّن حقيقة هذهالدنيا الفانية.
قال الشافعي رحمه الله : (من زهد في الدنيا قرَّت عيناه بمايراه من ثواب الله تعالى غداً).
فيا من تهافت إلى الدنيا، فأصبحت جُلَّ همِّه، وأعظم شُغله، وألهته عن عبادة ربه، اعلم أن الدنيا فانية، وهي عن قريبٍزائلة، والعبرة في الآخرة ليس بكثرة المال والعيال، وإنما بالقلوب والأعمال، وارضبما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، والأصحاب والآل رضي الله عنهم.
قالعمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدما رأى ما أصاب الناس من الدنيا: (لقد رأيت رسولالله صلى الله عليه وسلم يظلُّ اليوم يلتوي ما يجدُ من الدَقَل ما يملأُ به بطنه) [رواه مسلم]، والدَقَل: رديء التمر.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (توفيرسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيءٍ يأكله ذو كبدٍ إلا شطر شعير فيرفٍّ لي، فأكلتُ منه حتى طال عليَّ فكلته فَفَنِي) [متفق عليه]، قال الترمذي: (ومعنى قولها شطر تعني شيئاً) - أي شيئاً من شعير -
وعن عمر بن الحارث أخيجويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنهما قال: (ما ترك رسول الله صلى اللهعليه وسلم عند موته ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمةً ولا شيئاً إلا بغلتَهالبيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة) [رواه البخاري].
وفي هذا الحديث من الزهد أنه صلى الله عليه وسلم - وهو خير منوطأت رجلاه الثرى - كان يركب البغل؛ بل هي مركبُهُ صلى الله عليه وسلم، وأيضاًتصدقه بأرضه لابن السبيل، وأنه لم يُخلِّف إلا البغلة التي يركبها، والسلاح الذييُجاهد به، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنهقال: (لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوانٍ حتى مات، وما أكل خبزاًمُرقَّقاً حتى مات) [رواه البخاري].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصيرٍ فقام وقد أثَّر في جنبه قلنا: يارسول الله لو اتخذنا لك وِطاءً؟ فقال: (مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍاستظلَّ تحت شجرةٍ ثم راح وتركها) [رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن صحيح].
وعنأبي هريرة رضي الله عنه قال: (لقد رأيت سبعين من أهل الصُّفَّةِ ما منهم رجل عليهرداء، إما إزار وإما كساء قد رُبطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف السَّاقين،ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته) [رواه البخاري].
قال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه: (أنتم أكثر صلاةً وصياماً منأصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيراً منكم)، قالوا: ولم؟! قال: (كانواأزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة).
قال الإمام أحمد رحمه الله : (أسرُّأيَّامي إليَّ يومٌ أُصبح وليس عندي شيء).
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله : (أصل الزُّهد الرضا عن الله عز وجل).
وقال: (القَنُوع هو الزاهد وهو الغني،فمن حَقَّق اليقين وثِق بالله في أموره كلِّها، ورضي بتدبيره له وانقطع عن التعلُّقبالمخلوقين رجاءً وخوفاً، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة ومن كان كذلك كان زاهداً في الدنيا حقيقة وكان من أغنى الناس وإن لم يكن له شيءٌ من الدنيا، كماقال عمار رضي الله عنه؛ كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شُغلاً).
وفي بيان معنى الزهد وحقيقته؛ قال الإمام أحمد رحمه الله : (إنماهو طعامٌ دون طعامٍ، ولباسٌ دون لباسٍ، وصبر أيامٍ قلائل).
وقال شيخ الإسلامابن تيمية رحمه الله : (الزهد المشروع هو ترك كل شيءٍ لا ينفع في الدار الآخرة،وثقة القلب بما عند الله).
وقال أيضاً رحمه الله : (الزهد هو عمَّا لا ينفعإما لنفاء نفعه أو لكونه مرجوحاً لأنه مُفوِّتٌ لما هو أنفع منه أو مُحصِّل لمايربو ضرره على نفعه، وأما المنافع الخالصة أو الراجحة فالزهد فيهاحمق).
اللهم زَهِّدنا في الدنيا ووَسِّع علينا منها ولا ترُدَّها عنَّافتُرَغِبَنا فيها.
أما بعد:
فقد ذمَّ الله سبحانه وتعالى الدنيا في مواطن كثيرةٍ من كتابه، وكذا رسوله صلى الله عليه وسلمفيما صحَّ عنه، وما ذاك إلا للتزهيد فيها والحثِّ على التقلُّلِ منها.
فقالتعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَالسَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُوَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّأَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
قال الشيخ عبد الرحمن السعديرحمه الله في تفسير هذه الآية: (وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالةالدنيا، فإن لذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتاً قصيراً،فإذا استكمل وتم اضمحل وزال عن صاحبه أو زال صاحبه عنه، فأصبح صفر اليدين منهاممتلئ القلب من همِّها وحزنها وحسرتها، فذلك؛ {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَالسَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ}، أي: نبت فيها من كل صنف وزوج بهيج {مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ}؛ كالحبوب والثمار ومما تأكل {الأنعام}؛ كأنواع العشبوالكلأ المختلف الأصناف، {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَاوَازَّيَّنَتْ}؛ أي: تزخرفت في منظرها، واكتست في زينتها، فصارت بهجة للناظرين،ونزهة للمتفرجين، وآية للمتبصرين، فصرت ترى لها منظراً عجيباً ما بين أخضر وأصفروأبيض وغيره، {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا}؛ أي: حصل معهمطمع بأن ذلك سيستمر ويدوم لوقوف إرادتهم عنده وانتهاء مطالبهم فيه، فبينما في تلكالحالة {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْلَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}؛ أي: كأنها ما كانت، فهذه حالة الدنيا سواءً بسواء، {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ}؛ أي: نبينها ونوضحها بتقريب المعاني إلى الأذهانوضرب الأمثال {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}؛ أي: يعملون أفكارهم فيما ينفعهم، وأماالغافل المعرض فهذا لا تنفعه الآيات ولا يزيل عنه الشك البيان).
وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌبَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَالْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًاوَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَاالْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
وقال تعالى: {قُلْمَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَفَتِيلاً}.
وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِأَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَامَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}.
وقال صلى الله عليهوسلم كما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما: (والله ما الفقر أخشى عليكم ولكني
أخشىأن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتُهلككمكما أهلكتهم).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلىالله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتحعليكم من زهرة الدنيا وزينتها) [متفق عليه].
وعنه رضي الله عنه أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: (إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظركيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) [رواه مسلم].
وعن أنس رضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يومالقيامة فيُصبغُ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مرَّ بكنعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويُؤتى بأشدِّ الناس بؤساً في الدنيا من أهلالجنة فيُصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرَّ بكشدةٌ قط؟ فيقول: لا والله ما مرَّ بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط) [رواه مسلم].
وعن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليهوسلم: (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع) [رواه مسلم].
وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّبالسوقِ والناس كتفيه فمرَّ بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأُذُنه ثم قال: (أيكم يُحبأن يكون هذا له بدرهم؟) فقالوا: ما نُحبُّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به! ثم قال: (أتُحبون أنه لكم؟) قالوا: والله لو كان حيَّاً كان عيباً إنه أسك فكيف وهو ميت،فقال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) [رواه مسلم]، والأَسَكّ: صغيرالأُذن.
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلمفي حرَّةٍ بالمدينة فاستقبلنا أُحُد فقال: (يا أبا ذر)، قلت: لبيك يا رسول الله،فقال: (ما يسرُّني أن عندي مثل أحدٍ هذا ذهباً تمضي عليَّ ثلاثة أيام وعندي منهدينار إلا شيء أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا) - عن يمينه وعنشماله ومن خلفه - ثم سار فقال: (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قالبالمال هكذا وهكذا - عن يمينه وعن شماله ومن خلفه - وقليلٌ ما هم) [متفقعليه].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدُّنيا سجن المؤمن، وجنَّة الكافر) [رواه مسلم].
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى منفوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) [متفق عليه]، وهذا لفظ مسلم وفيرواية البخاري: (إذا نظر أحدكم إلى من فَضُل عليه في المال والخَلْق فلينظر إلى منهو أسفل منه).
وغيرها من الآيات والأحاديث الكثيرة التي تُبيِّن حقيقة هذهالدنيا الفانية.
قال الشافعي رحمه الله : (من زهد في الدنيا قرَّت عيناه بمايراه من ثواب الله تعالى غداً).
فيا من تهافت إلى الدنيا، فأصبحت جُلَّ همِّه، وأعظم شُغله، وألهته عن عبادة ربه، اعلم أن الدنيا فانية، وهي عن قريبٍزائلة، والعبرة في الآخرة ليس بكثرة المال والعيال، وإنما بالقلوب والأعمال، وارضبما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، والأصحاب والآل رضي الله عنهم.
قالعمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدما رأى ما أصاب الناس من الدنيا: (لقد رأيت رسولالله صلى الله عليه وسلم يظلُّ اليوم يلتوي ما يجدُ من الدَقَل ما يملأُ به بطنه) [رواه مسلم]، والدَقَل: رديء التمر.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (توفيرسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيءٍ يأكله ذو كبدٍ إلا شطر شعير فيرفٍّ لي، فأكلتُ منه حتى طال عليَّ فكلته فَفَنِي) [متفق عليه]، قال الترمذي: (ومعنى قولها شطر تعني شيئاً) - أي شيئاً من شعير -
وعن عمر بن الحارث أخيجويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنهما قال: (ما ترك رسول الله صلى اللهعليه وسلم عند موته ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمةً ولا شيئاً إلا بغلتَهالبيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة) [رواه البخاري].
وفي هذا الحديث من الزهد أنه صلى الله عليه وسلم - وهو خير منوطأت رجلاه الثرى - كان يركب البغل؛ بل هي مركبُهُ صلى الله عليه وسلم، وأيضاًتصدقه بأرضه لابن السبيل، وأنه لم يُخلِّف إلا البغلة التي يركبها، والسلاح الذييُجاهد به، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنهقال: (لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوانٍ حتى مات، وما أكل خبزاًمُرقَّقاً حتى مات) [رواه البخاري].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصيرٍ فقام وقد أثَّر في جنبه قلنا: يارسول الله لو اتخذنا لك وِطاءً؟ فقال: (مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍاستظلَّ تحت شجرةٍ ثم راح وتركها) [رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن صحيح].
وعنأبي هريرة رضي الله عنه قال: (لقد رأيت سبعين من أهل الصُّفَّةِ ما منهم رجل عليهرداء، إما إزار وإما كساء قد رُبطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف السَّاقين،ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته) [رواه البخاري].
قال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه: (أنتم أكثر صلاةً وصياماً منأصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيراً منكم)، قالوا: ولم؟! قال: (كانواأزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة).
قال الإمام أحمد رحمه الله : (أسرُّأيَّامي إليَّ يومٌ أُصبح وليس عندي شيء).
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله : (أصل الزُّهد الرضا عن الله عز وجل).
وقال: (القَنُوع هو الزاهد وهو الغني،فمن حَقَّق اليقين وثِق بالله في أموره كلِّها، ورضي بتدبيره له وانقطع عن التعلُّقبالمخلوقين رجاءً وخوفاً، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة ومن كان كذلك كان زاهداً في الدنيا حقيقة وكان من أغنى الناس وإن لم يكن له شيءٌ من الدنيا، كماقال عمار رضي الله عنه؛ كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شُغلاً).
وفي بيان معنى الزهد وحقيقته؛ قال الإمام أحمد رحمه الله : (إنماهو طعامٌ دون طعامٍ، ولباسٌ دون لباسٍ، وصبر أيامٍ قلائل).
وقال شيخ الإسلامابن تيمية رحمه الله : (الزهد المشروع هو ترك كل شيءٍ لا ينفع في الدار الآخرة،وثقة القلب بما عند الله).
وقال أيضاً رحمه الله : (الزهد هو عمَّا لا ينفعإما لنفاء نفعه أو لكونه مرجوحاً لأنه مُفوِّتٌ لما هو أنفع منه أو مُحصِّل لمايربو ضرره على نفعه، وأما المنافع الخالصة أو الراجحة فالزهد فيهاحمق).
اللهم زَهِّدنا في الدنيا ووَسِّع علينا منها ولا ترُدَّها عنَّافتُرَغِبَنا فيها.