المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصص القرأن والحياة-6-(صاحب الجنّتين والمُعدَم)قيمة المال وقيمة الإيمان


ابواياد
10-06-2008, 03:46 AM
](صاحب الجنّتين والمُعدَم)

قيمة المال وقيمة الإيمان

في هذا العرض نلتقي بالنموذجين في مشهد حواريّ واحد .

فهناك الثريّ المترف صاحب المال والأراضي الزراعية الشاسعة والأولاد

والجاه والأبّهة .

وهناك الفقير المعدم الذي لا يمتلك من ذلك شيئاً ، لكنّه يملك ما هو أثمن

وأغنى وأدوم ، وهو إيمانه بالله وفضله وعظمته .


يقول تعالى في تصوير الشخصيتين : (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا

لأحدهما جنّتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً * كلتا

الجنّتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً وفجّرنا خلالهما نهراً * وكان له ثمر

فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعزُّ نفراً * ودخل جنّته وهو

ظالم لنفسه قال ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً * وما أظنُّ الساعة قائمة ولئن

رُددت إلى ربِّي لأجدنّ خيراً منها منقلباً * قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت

بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة ثمّ سوّاك رجلاً * لكنّا هو الله ربِّي ولا

أشرك بربِّي أحداً * ولولا إذ دخلت جنّتك قلت ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله إن

ترن أنا أقلّ منك مالاً وولداً * فعسى ربِّي أن يؤتين خيراً من جنّتك ويرسل

عليها حسباناً من السّماء فتصبح صعيداً زلقاً ) .


مقارنة بين الشخصيتين :

المشهد الحواري السابق بين صاحب الثروة المادية العريضة وبين صاحب

الإيمان العميق بالله يكشف عن هويّة كلّ منهما وإن كنّا نجهل أسماءهما ،

لأنّ القرآن لم يذكر ذلك ، وهو ليس بالمهم ، فالمهم فحوى القصة ومضمون

الحوار وقيمة النموذج .


1 ـ صاحب الجنّتين يرى أنّ ملكه نعيم خالد لا يزول .
والمؤمن المعدم يرى أنّ هذا الملك ـ مهما كان عريضاً ـ فهو عرضة للزوال في أيّة لحظة .

2 ـ صاحب الجنّتين يرى أنّ قيمته في كثرة ما لديه من ثروات وبنين .
والمؤمن المعدم يرى أن قيمته فيما يؤمن به .


3 ـ صاحب الجنّتين يرى أنّ الله سيتفضّل

عليه بالآخرة أيضاً كما تفضّل عليه في الدنيا كجزء من غروره وخيلائه

وتصوّره أنّ الله يحبّه لذاته ويكرمه لأجل سواد عينيه .
والمؤمن المعدم يرى أنّ عطاء الله للمؤمنين وما ادخره لهم من جنّات النعيم

ومُلك لا يبلى ، سيكون أوسع وأفضل وأدوم من عطائه للأثرياء في الحياة

الدنيا .

4 ـ صاحب الجنّتين لا يؤمن أنّ هناك قوّة

أقوى من قوّته يمكن أن تدمّر ما يملك حتى ولو كان الفيضان ،
فيما يرى الفقير المؤمن أنّ دوام الحال من المحال ، وأنّ جنّات الأرض مهما

كانت غنّاء عامرة يمكن أن تصبح خاوية على عروشها في فيضان أو حريق

يأتي عليها فيجعلها قاعاً صفصفا ، لأ نّها لا تملك صفة الدوام ، فهي

كصاحبها فانية (كلّ مَنْ عليها فان * ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام ) .



التطبيقات العملية :

إنّ لصاحب الجنّتين في الحياة أشباهاً ونظائر ، فقد تلتقي بأناس أثرياء

يخلدون إلى ثرواتهم ويركنون إليها كمن يستند إلى ركن وثيق . فلا يعرفون

فضل الله عليهم ولا يذكرونه ولا يشكرونه وكأنّ ما لديهم من صنع يديهم

وقولهم كما قال (قارون) صاحب الثراء الفاحش (إنّما أُوتيته على علم عندي ) .

وقد تلتقي بأثرياء في أرصدتهم وعقاراتهم وممتلكاتهم ولكنّهم فقراء في

نفوسهم ، بخلاء في عطائهم ، ضعفاء في إيمانهم وإلتزامهم ، وهم

يتصورون أ نّهم في بروج مشيّدة لا يدركهم الموت .

وتلتقي بفئة ثالثة تنظر إلى مَنْ هو أدنى مستوى منها نظرة ازدراء

واستصغار حتى ولو كان أكبر منهم في مقامه الإيماني والعمليّ والجهاديّ

والعلميّ ، لأ نّهم يعتبرون ما يملكونه أعظم من الإيمان والعلم والعمل والجهاد .


وفي مقابل هذه النماذج الحياتية ، ترى :

أناساً فقراء لا يملكون من طعام الدنيا شيئاً لكنهم أغنياء من التعفّف ، وكلّهم

ثقة وأمل وإيمان أن عطاء الدنيا ـ مهما كان كبيراً ـ فهو لا يساوي شيئاً في

موازاة عطاء الآخرة ، فللآخرة يعملون ، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا .

وهاتان الصورتان (صورة الثري صاحب الجنّتين) و (صورة المؤمن الفقير المعدم) لهما انعكاسات في التعامل الاجتماعي ،

فبعض الناس يحترمون صاحب الثروة ويقدّرونه أكثر من تقديرهم للمؤمن

العامل ، فتراهم يفسحون له في مجالسهم ، ويقومون له اكباراً واجلالاً وإذا

خطب ابنة أحدهم هرعوا لتزويجها من ابنه ، وإذا طلب منهم خدمة تهافتوا

أو سارعوا لقضائها ، ولا يفعلون ذلك مع المؤمنين المعدمين إلاّ نادراً ،

الأمر الذي يعني أنّ النموذجين المذكورين في الآيات الكريمة ما زالا يعيشان

في مجتمعاتنا ،

وإنّ صورة صاحب الجنّتين هي التي تخطف الأبصار رغم أنّ المال لا يشكّل

قيمة داخلية تعبّر عن إنسانية الانسان وعلمه وخلقه وسجاياه .

[/color]