المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من غرباء* مثيرين للاهتمام الى جيران مشتبه فيهم


محرز
06-07-2008, 02:01 AM
:blob:
من غرباء* مثيرين للاهتمام الى جيران مشتبه فيهم
المغتربون العرب فى ألمانيا قبل وبعد الحادى عشر من سبتمبر

يعيش فى ألمانيا مائتان و ثمانون ألف (280000) عربى , جاءوا اما كعمال أو طلبة أو مضطهدين سياسيين. وليست هناك أية مجموعة أخرى من المهاجرين تعانى مثل هؤلاء من التصورات النمطية والأحكام المسبقة فضلا عن الموقف الرافض لهم من قبل الألمان بل والمهاجرين الآخرين على حد سواء . ويرجع هذا الى كون غالبيتهم من المسلمين الذين ينحدرون من مجتمعات يسودها النظام الأبوى * ويأتى هنا في المقام الآول وضع المرأة فى العالم الاسلامى وموقف السيدات المحجبات فى ألمانبا. لقد تصاعدت حدة الأحكام المسبقة بل والمخاوف من المسلمين الأغراب فى ألمانيا الى حد ما منذ الحادى عشر من سبتمبر. فإذا كان البعض ينظر اليهم من قبل على أنهم غرباء مثيرين للاهتمام فقد أضحوا الآن محل ارتياب حيث يتساءل الكثيرون : "هل يمكن لجارى العربى أن يكون من العناصر الكامنة؟" وتتزايد فى الوقت نفسه الجهود المبذولة لاجراء حوار مشترك.

يقيم في ألمانيا بعض الشخصيات من ذوى الأصول العربية الذين غدوا معروفين بل من الشخصيات العامة عن طريق وسائل الاعلام و يندرج تحتهم العلماء والساسة الى جانب الكتاب والفنانين . الا أن معظم العرب بطبيعة الحال مهاجرون عاديون لا يلفتون النظر اليهم وكثير ما يخلطهم البعض عند الوهلة الأولى إما بالايرانيين او بالأتراك.

وربما يعد العرب هم أكثر كبريات جماعات المغتربين المجهولة بالرغم من كثرة التصورات الراسخة لدى الألمان عن العالم العربى . هذا هو ما يفرق بشدة بين ألمانيا وفرنسا. وقد يسري ذلك أقل ما يسرى على المهاجرين من المغاربة والتونسيين الذين وفدوا الى ألمانيا فى أعقاب اتفاقية استقدام العمالة فى الفترة بين 1963 و 1965 نتيجة لبواعث اقتصادية. فى مقابل ذلك استقبلت ألمانيا معظم الجزائريين واللبنانيين والعراقيين بوصفهم هاربين ولاجئين. حيث عانى الكثيرون منهم ويلات الفرار والطرد . ولا يمكن إغفال الهجرة بغرض الدراسة وهجرة القوى العاملة المتخصصة ويأتى هنا فى المقام الأول كل من المصريون والعراقيون والجزائريون.

بغض النظر عن بعض الحالات الفردية فقد وفد العرب الأوائل الى ألمانيا فى نهاية القرن الثامن عشر بوصفهم أعضاء فى حكومة بروسيا . وقد كان هناك تواجد عربى نشط فى برلين فى العشرينيات من القرن الماضى بصفة خاصة,و كان هؤلاء رجال أعمال ومثقفين ممن يعيشون ويعملون فى برلين لمدة طويلة. إشتغل الكثيرون من عرب برلين فى مجال الصحافة حيث كانوا شديدى الاهتمام بشئون السياسة والاقتصاد الخاصة ببلادهم. وكانوا يروجون جميعا لهدف واحد مشرك فيما بينهم رغم اختلاف مذاهبهم السياسية , ألا وهو الاسثقلال السياسى لبلادهم. وقد سخر جهاز الدعاية الألماني الكثيرين منهم أثناء الحرب العالمية الثانية.

إلا أن هجرة العرب الفعلية الى ألمانيا بدأت مع جلب العمال المغاربة والتونسيين إثر اتفاقية مع الحكومة فى الفترة بين 1963 و 1965 . ويكمن اختلاف المغتربين التونسيين البالغ عددهم أربع وعشرون ألفا والمغاربة البالغ عددهم واحد وثمانون ألفا يكمن فى طول فترة اقامتهم وشكل الاقامة الآمن . كذلك تعد نسبة منح الجنسية بينهم أعلى من جاليات الدول الأخرى المتقدمين للحصول عليها حيث أن نصف التونسيين المغتربين فى ألمانيا تقريبا حاصلين على الجنسية وهم يعيشون موزعين فى أنحاء ألمانيا ولايثيروا الانتباه اليهم كما يعتبروا متعلمين جيدا ومندمجين فى المجتمع.

بيد أن ذلك لاينطبق على الكثير من المغاربة الذين عملوا عقب دخولهم البلاد فى شكل مجموعات صغيرة غالبا فى مجال التعدين أو فى صناعة النسيج والكيماويات. وهكذا نشأت معاقل المهاجرين من المغاربة: 85% منهم يعيشون فى مقاطعات نوردراين فستفاليا وهسن نصفهم موزعون على عشرة مدن كبرى منها



* غرباء هنا من الغرابة وليست من الغربة
*هو نظام إجتماعى يمنح الأب أى الرجل السلطة المطلقة





فرانكفورت(حوالى 9500) دوسلدورف (6000) دورتموند (3300) وكولونيا (2300) هذا ولا يعتبر أغلب المغاربة المهاجرين من العرب بالمعنى الدقيق بل من البربر. كان المهاجرين الأوائل من التونسيين والمغاربة رجالا فقط ثم استدعى أغلبهم عائلاتهم عقب ايقاف جلب العمالة عام 1973 وهكذا تضاعف عددهم من عام 1971 وحتى 1981 . كان معظم المنتمين الى الجيل الأول من المهاجرين التونسيين والمغاربة يتمعون بقدر قليل من التعليم والتدريب المهنى لذلك فهم غالبا ما يجابهون اليوم مشاكل فى العثور على عمل نتيجة لاختفاء أماكن أعمال التصنيع البسيطة إثر التحول التكوينى الحالى.


بدأت الهجرة من مصر نتيجة للظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة فى البلاد كما تعد الدراسة سبب اخر للهجرة حيث تزايد عدد الطلبة المصريين والمغاربة بشكل كبير فى السنوات العشر الأخيرة ومن الملفت للنظر بين المصريين والمغاربة أن عددا كبيرا منهم يدرس العلوم الهندسية, كما يوجد فى معظم المدن الألمانية الكبرى رابطة للمصريين ويشكل الأقباط المصريين مجموعة خاصة ومنهم الذين وفدوا الى ألمانيا في السبعينيات اما بوصفهم طلبة أو متدربين.

يمثل العرب الذين نزحوا الى ألمانيا كلاجئين سياسيين أو فارين من الحروب ثانى كبرى المجموعات الى جانب العمال المهاجرين ويعد اللاجئين الفلسطينيين هم الذين دامت إقامتهم فى ألمانيا مدة أطول إلا أن كثيرون منهم يحملون جوازات سفر أردنية أو لبنانية أو سورية ونظرا لعدم وجود جنسية واحدة لهم فانة يمكن تقدير عددهم بشكل جزافى بمائة ألف (100000) ولم يتغير عددهم كثيرا خلال الخمس وعشرين سنة الأخيرة. كان الطلبة ورجال الأعمال الفلسطينيين يمثلون مجموعات المهاجرين فى الخمسينيات وأوائل الستينيات ثم تبعهم اللاجئين في الستينيات حيث وفد الى ألمانيا اكثر من خمسين ألف (50000) لبناني وعشرين ألف (20000) فلسطيني يطلبون حق اللجوء وذلك فى الفترة بين 1979 و 1990 .

توافد الفارون من الحرب الأهلية اللبنانية بين عامى 1975 و 1989 فى شكل مجموعات فغالبا ما كانت تصل عائلات كبيرة كاملة الى أوروبا, ونظرا لأن الحرب دامت قرابة العقد فقد سمح لهم بالبقاء فى ألمانيا لسنوات طويلة. الا أن الوضع القانونى للكثيرين منهم ظل غير مأمون وفى التسعينيات توالى وصول لاجئين اخرين وهم يعيشون الان موزعين فى أنحاء ألمانيا باستثناء مركز ثقل كونه نحو خمس وثلاثون ألف (35000) فلسطينيا ممن يعيشون فى برلين, إلا أنهم يشكلون بيئة إجتماعية خاصة ذات ثقافة خاصة بالمهجر وله مراكز للديانات المختلفة للمسيحيين والدروز والشيعة والسنة. ويتعامل هؤلاء فيما بينهم فقط ولا يتصلون - باستثناء الأكاديميين منهم – بالعرب الآخرين من المقيمين بألمانيا.

وفى حين أن المستوى التعليمى للفلسطينيين يعتبر مرتفعا بوجه عام بالمقارنة بالآخرين الا أن هناك صعوبات كبيرة واجهت تعليم شباب العائلات اللبنانية من اللاجئين وذلك نتيجة لبعض النظم التى أعاقت حصولهم على تدريب وظيفي, لذا فقد عمل أكثرهم إما فى المطاعم أو محال المواد الغذائية المملوكة لعائلات صديقة. ولكن نصف الرجال اللبنانيين يعانون من البطالة. ويعد مجال الفندقة هو الفرع الاقتصادى المفضل لديهم وهكذا أصبح الكثير ممن عملوا طهاة أو نادلين فى السبعينيات من أصحاب المطاعم بعد ذلك وقد استفادوا من تزايد الاقبال على الأطعمة الشرقية.

بدأت هجرة الجزائريين الى ألمانيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية حين تخلف جزء من الجنود الجزائريين التابعين للقوات الفرنسية المتمركزة فى ألمانيا. ثم وفد عدد كبير منهم مع بداية المراحل الأخيرة من الكفاح الجزائرى من أجل الاستقلال فى بداية الستينات إلا أن بعض الجزائريين جاءوا بعد ذلك إما بغرض الدراسة








والتدريب أو بوصفهم عمال فرنسيين مهاجرين. ثم أبرمت جمهورية ألمانيا الديموقراطية عام 1974 اتفاقية مع الجزائر لاستقدام العمالة الجزائرية تلك التى ألغيت بعد ذلك بيد أن عدد الجزائريين فى ألمانيا تضاعف فى الفترة من عام 1991 وحتى الآن نتيجة للحرب الأهلية المستمرة منذ سنوات حيث بلغوا سبعة عشر ألف ومائتين(17200) شخصا بعد أن كانوا تسعة آلاف (9000) فقط وأغلب هؤلاء هم من اللاجئين. كذلك تزايد عدد العراقيين فى ألمانيا منذ منتصف السبعينيات اثر نزوح اللاجئين السياسيين هذا ويعد العراقيين البالغ عددهم واحد وخمسين ألف ومائتين (51200) شخصا من الحاصلين على تعليم جامعى بين الجيد والجيد جدا ويعمل الكثيرون منهم بشكل مستقل إما كأطباء أو مترجمين أو صحفيين كذلك كتاب وفنانين.


وبالرغم من الصعوبات الناجمة عن الأحكام المسبقة فقد كان أغلب العرب يعيشون فى ألمانيا كأشخاص لا غبار عليهم ولايثيرون الاهتمام وقد تبدل هذا الحال مع هجمات الحادى عشر من سبتمبر بعد ان أعلن أن بعض هؤلاء الارهابيين كان يعيش فى هامبورج قبل ذلك. وهكذا حدث تذبذب فى الرأى العام فبات الكثيرون يتسألون: "هل يمكن أن يكون جارى العربى اللطيف من العناصر الكامنة؟" ويتجلى هنا شك عام لا يعرف التمييز تجاه كافة العرب اللذين عانوا جميعا فى الخريف من الارتياب منهم بل والعداء تجاههم من قبل جانب كبير من الألمان وقد جابهوا ذلك الأمر وهم لا حيلة لهم فيقول بعضهم :"ينظر الناس إلى بشكل مختلف" حيث امتنع البعض عن تأجير الشقق للمسلمين كما تعرض المسلمين للسب والاهانة علنا اذ امسكت نار الكراهية بالحجاب وطالب الناس النساء بشكل عدوانى أن يخلعن الحجاب , كذلك كان الأاطفال يعودون باكيين إلى منازلهم ليسألوا آبائهم: "هل نحن المسلمون إرهابيون؟"

وفى الوقت نفسه بدأ الناس فى ألمانيا يهتمون بشكل مكثف بالاسلام والذى كانوا لايعرفون عنه إلا القليل حتى ذلك الوقت وقد إصطبغ التصور الذى تكون فى ألمانيا عن الشرق والعرب والاسلام بشكل جوهرى بالصورة المرسومة عن وضع المرأة فى تلك المجتمعات العربية . فمن ناحية يفكر الناس في الشيوخ والحريم وأرداف الراقصات تدور وتستيقظ ذكريات حواديت ألف ليلة وليلة الجنسية الملتهبة ويفكرون من ناحية أخرى فى المرأة المغطاة التى لا تتمتع بأية حقوق – كما يعتقد البعض- اى بختصار: جنس وشهوانية من ناحية وقهر من ناحية أخرى. هذه هى الأنماط الرئيسية التى اعتاد المرء أن يدرك بها وضع المرأة العربية. قالب بسيط جدا لكنه لا يكاد يتفق مع الحقيقة حيث غالبا ما تستخدم التعميمات بطريقة لاتعكس الواقع.

لا شك أن النساء العرب يشكلن مجموعة مشاكل خاصة حيث أنهن وأزواجهن ينحدرن من بيئة ريفية تتميز بنظام يمنح الرجل سلطة مطلقة فى العائلة ويشكل النساء الأقلية بين كل الجاليات العربية الموجودة فى ألمانيا حيث أن نسبة النساء المصريات تبلغ 24% ويعيش الكثيرات من النساء فى عزلة وبعيدين عن الحياة العامة بشكل كبير وتخرج نسبة ضئيلة منهم للعمل , كما أنهن يفتقدن فى الوقت ذاته الاتصال بأقاربهن من النساء فى بلادهن كذلك يعانى الكثير من الأطفال وأمهاتهم من مشكلات لغوية كبيرة.

بدأ الناس فى ألمانيا يحلوا أنفسهم من خديعة العمر حيث كانوا يزعمون أن بلادهم ليست موطنا للهجرة بالرغم من وجود سبعة ملايين من الأجانب بها مما إستوجب إصدار قانون جديد لتنظيم دخول الأجانب ودمجهم فى المجتمع بيد أن مشكلة الهجرة خضعت بذلك لتأثير أحداث الحادى عشر من سبتمبر. حيث صدر نتيجة لذلك القانون المؤقت المصطبغ بالموقف الرافض للهجرة الموسعة وذلك فى الثانى والعشرين من مارس عام 2002 طالما أنه لايمس الأشخاص ذوى الكفاءات العالية , جاءت قوانين أمنية جديدة كرد فعل على التهديدات الاقليمية وتراقب حماية الدستور نفوذ الجوامع , كما أن الكثير من الطلبة المتدينين ذوى الأصول العربية ممن يدرسون العلوم الهندسية والمستقلين ماديا وكثيرى السفر أدرجوا على قوائم البحث وفى الوقت نفسه تبذل العديد من المنظمات الألمانية بل والاسلامية الجهود المكثفة لاجراء حوار بين الأديان.


إلا أنه منذ تصاعد حدة الصراع الاسرائيلى – الفلسطينى فى مطلع هذا الربيع تزايدت المخاوف وتنامى الشعور بعدم الأمان مجددا وأضحى الجو متوترا بشكل ملموس ويراقب البعض بارتياب المظاهرات التى ينظمها العرب تعبيرا عن إستيائهم من السياسة الاسرائيلية وخيبة أملهم نتيجة لفشل عملية السلام. فالألمان يخشون أن يملأ ألمانيا الصراع فى الشرق الأوسط , والعرب كذلك يخشون أن تلقى عليهم شخصيا مسئولية الأعمال الارهابية بشكل موسع أثناء ممارستهم لحياتهم اليومية بالرغم من أنهم جميعا تقريبا ينأون بنفسهم عنها, ولكن هناك أيضا ردود أفعال مضادة حيث تنادى حركة جامعة برلينر هومبولدت بشعار: أنا عربى وهذا شىء جيد أيضا.