محرز
05-28-2008, 04:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
توظيف التراث
في ديوان "متى تُرك القطا"
د. نبيل خالد أبو علي
الجامعة الإسلامية ـ غـزة
غـزة ـ فلسطين
أما قبل :
فإن عنوان هذا الديوان يعبق بأريج التراث ويبعث في وجدان المتلقي البيئة والأجواء التي انبعث منها المثل الجاهلي " متى تُرك القطا " ، ويثير سحابة من الأفكار والأسئلة حول طبيعة تجربة عبد الكريم السبعاوي() الإبداعية النفسية ودلالاتها .
وما ينسحب على عنوان الديوان ينسحب على عنوانات قصائده رغم تنوع ارتباطاتها بعناصر التراث ورموزه ؛ ما بين الارتباط بالملاحم والسير الشعبية "العودة من وادي الغضا"، أو بالتاريخ الإسلامي وأبطاله "من أوراق عبد الرحمن الخارج" ، أو بالحكايات والأساطير الشعبية "النداهة" و"ليلى والذئب" ، أو بتاريخ النضال الفلسطيني ورموزه "ماجد أبو شرار يعود إلى دورا" ، أو بالتراث الأدبي العربي "عيون المها" و"مواسم الهجرة إلى الوطن" ، أو بالحكايات والأساطير الأجنبية "وولسنج ماتيلدا".
ولما كان العنوان من أبرز مفاتيح الدلالة لأن الشاعر يصب فيه كل ما في قصيدته من تيارات دلالية وطاقات إيحائية ، فإن الرموز والدوال التي يثيرها العنوان توحي بما يصطرع في ذهن الشاعر من أفكار وفي وجدانه من أحاسيس ومشاعر ، لذلك فهي تحفز وعي المتلقي وتستثير خبرته وثقافته ليكتشف التيارات الدلالية والطاقات الإيحائية التي تبشر بجوانب الإبداع المضموني للديوان .
ورغم ما للعنوان من أهمية في البوح بمضمون التجربة و أجوائها النفسية إلا أنه لم يكن وحده المشجع على نسج هذه الدراسة وتحديد ماهيتها ، لقد كان وسيلة لاستدراجي للدخول في عالم الشاعر ، وكانت عناصر التراث المتنوعة ؛ العربية والإسلامية والإنسانية العامة ، التي تعج بها قصائد الديوان هي المشجع والمحدد الرئيس لماهية هذه الدراسة ومنهجها .
نعم لقد بسطت المضامين التراثية نفوذها فهيمنت على القسم الأكبر من هذه الدراسة ، وذلك بتنوع مصادرها وتنوع رموزها وطرق ورودها في الديوان حيث اشتملت عناصرها على الرموز الأسطورية ؛ الفلسطينية والعربية وأساطير الشعوب الأخرى عبر الحقب التاريخية المتتابعة ، كما اشتملت على الرموز والوقائع التاريخية والتاريخسطورية ، والرموز والشخصيات الدينية ؛ المسيحية والإسلامية ، وكذلك حكايات الجاهلية ورموزها الوثنية ، والرموز الأدبية وغير ذلك .
وقد تنوع توظيفه لعناصر التراث ما بين الإشارة والإلماح والتضمين الجزئي ، وبين الاستغراق الكامل للقصيدة بأسرها ، كذلك اتخذ - غالباً - الشكل الأفقي التسجيلي الذي يبدو كظاهرة عرضية في القصيدة ، كما اتخذ الشكل التوظيفي الفعال الذي ينم عن مقدرة فائقة على إظهار ما وراء هذا التوظيف من الإسقاطات السياسية والاجتماعية والإنسانية .
وقد تطلب تنبع أشكال توظيف عناصر التراث وما ينطوي عليه من مضامين أن تتناول هذه الدراسة التضمينات التراثية بالدرس والتحليل ؛ الأسطوري منها والتاريخي والديني والأدبي والشعبي، كما تطلب التنبيه على التباس بعض عناصر التراث ببعضها البعض حتى يصعب التمييز أحياناً بين عنصر وآخر ، فالخرافة مثلاً تلتبس بالأسطورة ، والحكايات البطولية تتداخل مع الخرافة ، والحكايات الشعبية مع الحكاية البطولية .. ولعل سبب ذلك هو عدم دقة تعريف هذه العناصر ، فتعريف الأسطورة بأنها : " حكاية إله أو بطل خارق ، تحاول أن تفسر بمنطق الإنسان الأول وبخياله ـ أو وهمه ـ ظواهر الحياة في عالم موحش ، يثير دائماً السؤال من أجل المعرفة ويقترح الجواب . وهي في كل أولئك تتضمن وجداناً جماعياً تقبلها من أجله الأجيال بسهولة .. "() لا يعد تعريفاً جامعاً مانعاً يحول دون التباس الخرافة بها ، وكذلك فإن الاجتهاد في البحث عن التعريف المنشود الذي يحدد ماهية الأسطورة لن يوصلنا إلا إلى غابة من التعريفات ، التي منها أن الأسطورة هي "الجزء الناطق من الشعائر البدائية ، الذي نمّاه الخيال الإنساني ، واستخدمته الآداب العالمية .. فهو يعني تلك المادة التراثية التي صيغت في عصور الإنسانية الأولى ، وعبر عنها الإنسان في تلك الظروف الخاصة عن فكره ومشاعره تجاه الوجود فاختلط فيها الواقع بالخيال وامتزجت معطيات الحواس والفكر واللاشعور واتحد فيها الزمان كما اتحد فيها المكان"() ، ومنها أن "الأسطورة سرد قصصي لا يمكن إسناده إلى مؤلف معين ، يتضمن بعض المواد التاريخية إلى جانب مواد خرافية شعبية ألفها الناس منذ القدم "()، ومنها : " هي حكايات خرافية تعبر عن استجابة الإنسان الأولى لعالمه "() ، إلى غير ذلك من التعريفات المتشابكة () .
وقد حاول الباحث فراس السواح أن يستخلص تعريفاً محدداً من جملة تلك التعاريف فلم يجد بداً من إضافة شرط القداسة لكي يحول دون تشابك عناصر التراث فقال : "إن الأسطورة هي حكاية مقدسة ، ذات مضمون عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود وحياة الإنسان"() ، ليجعل بعد ذلك القداسة الفارق الوحيد بين الأسطورة والخرافة لأن الخرافة – كما يرى – لا تتسم بالصدق والقداسة التي تتمتع بهما الأسطورة ()، ورغم هذه المحاولة الجادة فإننا نرى أن القداسة مقياس نسبي لا يصلح للتمييز بين الأسطورة والخرافة ، خاصة أنه ربطها بحدود القوم والبيئة التي نشأت الأسطورة فيها ، ذلك لأن الخرافة أيضاً تتمتع بصفة القداسة غالباً في القوم والبيئة التي نشأت فيها ، وليس أدل على ذلك من المثل الذي ضربه فراس للخرافة ، حينما عرف الخرافات بأنها حكايات تدور حول الأبطال الخرافيين مثل سيف بن ذي يزن والأميرة ذات الهمة ()، فالحكم على حكايتي سيف بن ذي يزن والأميرة ذات الهمة بأنهما من الحكايات الخرافية حكم تعوزه الدقة ، حيث نجد سيف بن ذي يزن قد حاز القداسة والصدق ، وأنه لا يعد بطلاً خرافياً في البيئة التي نشأت فيها سيرته ،فهو " سليل ملوك حمير ، الذي احتفلت المخيلة الشعبية به ، لدوره في التاريخ القومي العربي ، وطرده الأحباش من بلاد العرب"()، وهو أيضاً شخصية أسطورية تنسب له العديد من الأعمال الخارقة التي ينسب مثلها لأبطال الأساطير ، وحكايته تصنف تحت باب الأسطورة التاريخية أو كما يسميها بعض الدارسين التاريخسطورة (). أما الأميرة ذات الهمة فتندرج حكايتها تحت باب الحكايات البطولية التي يعدها السواح أقرب أقرباء الخرافة ويشترط فيها واقعية الأحداث وأن يبدو البطل فيها بصورة مثالية عن الإنسان () ، وهي في ظني تندرج أيضاً تحت الأسطورة التاريخية ، فأحداث حكاية الأميرة ذات الهمة أقرب إلى الواقع رغم المبالغة والتهويل ، وهي شخصية تاريخية "حيك عنها وعن ابنها عبد الوهاب قصص كثيرة . ظهرت عليها أمارات البطولة صبية ، فسميت ذات الهمة . رحلت إلى مناطق الثغور واهبة نفسها لجهاد الروم ، وبايعها بنو كلاب في ملطية ، وأصبحت شبه مستقلة عن بغداد . أسماها الخليفة هي وابنها : "سيفي الإسلام" . كانت تشترك بنفسها في القتال ، ووقعت مراراً في أسر الروم ، وأوذيت كثيراً"() .
وهكذا فإن القداسة لا تصلح مقياساً مائزاً بين الأسطورة والخرافة ، أو بينها وبين باقي عناصر التراث لأنها من الأمور النسبية ، ولأنها لا تقتصر على حكاية دون أخرى مادام الأمر مرتبط باعتقاد القوم والبيئة – الزمانية والمكانية - التي تنشأ فيها الحكاية . لذلك رأينا أن ننأى بأنفسنا عن الخوض في غمار التنظير والتعريفات وتأكيد تداخل عناصر التراث وصعوبة التمييز القطعي بين بعض هذه العناصر على صعيد النظرية ، وأن نقسم التضمين التراثي الذي وقفنا عليه في ديوان "متى تُرك القطا" إلى : تضمين أسطوري ، وتضمين تاريخي ، وديني ، وأدبي ، وشعبي ، وذلك لأننا نرى أن الكشف عن سبل توظيف هذه العناصر وما تنطوي عليه من معان ودلالات هو غايتنا في هذا البحث ، وأن إدراج الأسطورة والخرافة أوالتاريخسطورة والحكايات البطولية تحت باب واحد.. لا يتعارض وهذه الغاية خاصة أن توظيف الرمز التراثي قد يتخذ عدة أشكال في ثنايا قصائد الديوان ، كما أنه قد يثير أكثر من مضمون في آن واحد ، فالرمز الديني مثلاً قد يتخذ توظيفه بالإضافة إلى بعده الديني بعداً أسطورياً ، والشخصية التاريخية ذات البعد الواقعي قد تتجلى ببعد أسطوري أيضاً .. وهكذا الحال بالنسبة لباقي العناصر ، الأمر الذي يجعلنا ننبه منذ البداية على أن تقسيم هذه التضمينات إلى أسطورية وتاريخية ودينية وأدبية وشعبية لا يعني إقامة الحدود الفاصلة التي تحول دون التداخل الذي قد تحدثه رموزها وأشكال توظيفها ، بل هو فصل تنظيمي يجمع بين الأشباه ويربطها بعقال الموضوعية الدالة .
تضمين الأسطورة :
تعد الأسطورة في ديوان "متى تُرك القطا" من أهم وسائل إنتاج الدلالة حيث استفاد السبعاوي من دلالاتها الخصبة والمتنوعة ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وقد تنوع توظيفه لها حسب المقام ما بين الإشارة والإلماح وإطلاق العنان لخيال المتلقي ليبحث في أوجه الدلالة ويستنتج الرموز التي تتماهى مع تجربة الشاعر وجو القصيدة النفسي ، وبين التوظيف الفعال الذي يتجاوز الدلالة الإشارية إلى الاستغراق الكامل ، والاتكاء على دلالات الأسطورة وتحويل رموزها إلى وسائط فنية تبوح بما يصطرع في عقله ووجدانه من أفكار وأحاسيس ، فمن أمثلة النمط الأول قوله () :
دبشليمُ في سريره .. والنطعُ والسيافُ ..
والوشاةُ اجترحوا المكيدهْ
مُدِّي ليَّ الجديلةَ التي تصعدُ بي
إلى سمائِك البعيدهْ
الحبُّ كان زلَّتي ..
الحبُّ آيتي الوحيدهْ
يرتكز الشاعر في النص السابق على ثلاثة أساطير لإنتاج الدلالة التي يريد ، الأولى نراها في صورة دبشليم الملك الهندي الجالس على سرير الحكم ، والثانية نتمثلها في صورة السياف إلى جانبه النطع المفروش كي يقف فوقه المحكوم عليه بالموت ، والثالثة في صورة الأميرة التي تمد جديلتها ليتمكن الحبيب من الصعود إليها .
وقد تمازجت دلالات الأساطير الثلاثة ؛ الهندية التي تجسد الظلم والبطش وكيفية مواجهته بالحكمة ـ حكمة بيدباالفيلسوف ـ ، والعربية القديمة التي تشير إلى مكر ودهاء الزباء التي استدرجت قاتل أبيها وفتكت به () ، وقصة الأميرة العاشقة التي سجنها المماليك في سجن القلعة فصبرت على الأذى حتى طال شعرها واستطاعت أن تمد جديلتها لعشيقها كي يتسلق سور القلعة ويصل إليها ويحررها .
وتتماهى دلالات هذه الأساطير الثلاثة مجتمعة مع الواقع السياسي الفلسطيني لتشير إلى سبل الخلاص من جبروت المحتل وظلمه ، التي تتمثل في الحكمة والحيلة والإخلاص في الحب لأنه طوق النجاة الوحيد .
ومن أمثلة النمط الأول ـ أيضاً ـ الذي ترد فيه الأسطورة بطريقة عرضية للتعبير عن رؤية الشاعر وموقفه الخاص من الواقع قوله () :
- كان لي أخوةٌ ورموني في الجُبّ
فاحتملتني لمصر القوافلْ
آه يا مصرُ
هل كنت عهداً من الحبّ
أم كنت حلماً مخاتلْ
وأين التي علمتني الأناشيد في ليلة العيد ؟
- هاهمْ يزُفُّونَ عذراءَ للنيل كي ما يفيضْ
ونيليَ أنتَ
شُقَّني ضفتين ودِلتا
وتدفقْ عليَّ بموجك ..
حتى ألامس روحَ الفصول ..
وتأخذُ دورتَها في دمائي حياةً وموتا
حياةً وموتا
وسبعاً سماناً وسبعاً عجافْ
توالَيْنَ من أولِ العمرِ حتى نهايتِهِ
آه يا مصرُ إني أخافْ
عليك .. وإني أخافْ
عليَّ .. وإني أخافْ
لماذا تنامُ النواطيرُ حين تقومُ الثعالبُ من نومها ؟
والعناقيدُ دانيةٌ للقطافْ
لقد تضافرت في النص السابق دلالات الرمز الديني والتاريخي والشعبي لتوضيح أبعاد الأسطورة ودلالاتها الإشارية التي تعكس ما يصطرع في عقل الشاعر ووجدانه من الأفكار والأحاسيس التي لم يتمكن من البوح بها صراحة ، فاستحضر قصة يوسف عليه السلام ليشير إلى جذور العلاقة بين مصر وفلسطين ، ثم دلل على صدق هذه العلاقة وقوة أواصرها من خلال الإلماح إلى ثورة الثالث والعشرين من يوليو ـ "أين التي علمتني الأناشيد في ليلة العيد"() ـ التي تُعد بداية مرحلة المدّ القومي ، متسائلاً باستهجان عن غياب مبادئ تلك الثورة وروح القومية العربية .
ثم نجد الإجابة على سؤاله ببعث الأسطورة المصرية القديمة ، أسطورة عروس النيل الذي وصفه القدماء المصريون بأنه "رب الرزق الوفير" ؛ وأنه "والد الأرباب" وقدموا له أجمل فتيات مصر قرباناً لكي يفيض () ، حيث تبوح الأسطورة بما يعتمل في صدره من دلالات تتماهى مع رؤيته للواقع السياسي وتعويل العرب على أمريكا والغرب ، فأمريكا ودول الغرب حلت محل النيل ، والشعب الفلسطيني حل محل العروس التي تقدم له قرباناً ، لذلك نراه يرفض هذا الواقع بقوله :
ونيليَ أنتَ
شُقَّني ضفتين ودلتا
وتدفقْ عليَّ بموجكَ ..
حتى ألامسَ روحَ الفصولِ ..
ليقرر أن الخير ـ النيل وفيضانه ـ لا يأتي من أمريكا والغرب بل من الإنسان العربي ، لأنه هو العطاء الحقيقي ، ثم يتبع ذلك بالتحذير من التمادي في الاستبشار بأمريكا والغرب ؛ قارناً مصير فلسطين بمصير مصر إذا حلّ بها مكروه ، "إني أخاف عليك .. إني أخاف عليَّ"، ويرمز إلى قادة أمريكا والغرب بالثعالب وإلى حراس الحلم العربي بالنواطير ، وذلك من خلال تضمينه لقول المتنبي في هجاء كافور ():
نامَتْ نَواطيرُ مِصر عنْ ثَعالِبِها فَقَدْ بَشِمْنَ() وما تَفنَى العَناقيدُ
ومن أمثلة الإشارة العرضية إلى مضامين الأساطير ـ أيضاً ـ نذكر قول الشاعر ():
يتشنجُ عضو الكنيست
وهو عقيمٌ وزوجتُه عاقرْ
لم يخلّفْ سواها أبوها
عندي الحل :
فليوقف العربُ النسل
أو فلنعقمهم واحدا واحدا
يا لشرّ البلية ..
كيف تموتُ إذاً وهي عنقاءُ
تولدُ ثانية كلما قتلوها
حيث يبعث في ذكره أسطورة العنقاء معاني التجدد والانبعاث التي تعكس يأس الاحتلال من القضاء على الشعب الفلسطيني ، كما تؤكد صمود هذا الشعب واستمراريته رغم كثرة الشهـداء .
أما صور النمط الثاني من أنماط توظيف الأسطورة ورموزها فنتمثله في مثل قول الشاعر في قصيدته الموسومة بـ "النداهة" ():
حوريةٌ من الزبدْ
نورسةٌ يشعلُ دفؤُها الجسدْ
أضُمُّها فتختفي
وأقتفي ..
ضحكتها إلى الأبدْ
تقولُ حينما تَرِقُّ لي
- هَرِمت يا ولدْ
ولم تزلْ في أثري ..
من بلدٍ إلى بلدْ
لا يجد الشاعر أقوى من اسم الأسطورة ـ النداهة ـ ليعبر عن غربة الفلسطيني القهرية ويكثف دلالات تجربته الخاصة التي تتماهى مع تجارب السواد الأعظم من أبناء جلدته ، ولكي يحفز وعي المتلقي ويستثير خبرته وثقافته ليكتشف التيارات الدلالية والطاقات الإيحائية التي تبشر بجوانب الإبداع المضموني .
النداهة أسطورة عربية تتحدث عن حورية من الجن الشرير تسكن النهر ، تظهر للشباب وتغويهم بزينتها وجمالها ، فيتبعونها ويهلكون غرقاً في النهر () .
وقد تحللت رؤية الشاعر وخلاصة تجربته وموقفه من الغربة في هذه القصيدة التي تكثف معاناة الفلسطيني الذي يمضي عمره وهو يلهث وراء الاستقرار النفسي والجسدي .
إلى غير ذلك من شواهد توظيف الرموز الأسطورية التي سنقف عليها عند الحديث عن المضامين التاريخية والشعبية والدينية والأدبية .. وذلك منعاً للإطالة والتكرار حيث تمتزج الأسطورة غالباً مع الوقائع التاريخية والحقائق الدينية والخرافات والقصص الشعبية والرموز الأدبية ..
2 – التضمين التاريخي والتاريخسطوري :
اتكأ الشاعر عبد الكريم السبعاوي على الشخصيات والأحداث التاريخية في تشكيل الأبعاد الدلالية لشعره ، حيث اتخذ من صفات الشخصيات وما اشتهرت به عبر التاريخ رموزاّ ، ومن الأحداث التاريخية الهامة مفسراً لموقفه ورأيه في الواقع المعيش ، دون أن يفرق في هذا بين العودة لأحداث التاريخ وبين العودة للتاريخسطورة ، أو صنع تاريخسطورة من الحدث التاريخي ؛ حيث يمزج بين الواقع التاريخي والأحداث والشخصيات ذات السمات الأسطورية ، ودون أن يتقيد بسرد الحدث التاريخي كما وقع أو التاريخسطورة كما تروى ؛ بل قد حذف منها عناصر و أضاف عناصر جديدة تنسجم مع العناصر القديمة وأعاد تركيبها بشكل جديد لتعمق المغزى القديم أو تعبر عن مغزى جديد يتناسب ورأيه في الواقع المعيش .
وقد وردت عناصر التراث التاريخي والتاريخسطوري بنفس النهج الذي نلاحظه في توظيف جميع العناصر التراثية ، سواء عن الطريق الإلماح والإشارة من خلال التشبيه أو التضمين والاقتباس، أو بطريق الاستغراق الكامل والتوظيف الفني الفعال ، الذي يستثير الماضي ويذكر به ويحث على استخلاص العبر منه ، وهو في ذلك يبوح بتجربته وموقفه من خلال الرموز والدلالات التي ينطوي عليها ذلك الماضي .. وشواهد ذلك كثيرة في الديوان ، فمما يمثل الدلالة الإشارية قوله () :
لقد تعب الغُزاةُ ..
وما تعبت ..
ومن يعدُّ الموج ؟!
كأني ألبس ( القمباز)().. أدّبُكُ
في انحدار سفائن الإفرنج
كأنكِ قَدْ جَدَعْتِ أنوفَ أولَ فوجْ
من التتارْ
يشير الشاعر في هذا النص إلى الحملات الصليبية المتعاقبة ـ 489هـ / 1096م حتى 692هـ / 1294م ـ على فلسطين وكيف انهزمت في نهاية الأمر ، كما يشير إلى ما فعله الأمير بيبرس البندقداري حينما أرسله السلطان قطز في مقدمة الجيش إلى غزة لاستطلاع أمر التتار ، وتمكنه من هزيمة التتار وطردهم منها سنة 658هـ / 1259م () .
والشاعر في هاتين الإشارتين التاريخيتين يسعى إلى إشاعة روح التفاؤل والأمل في النفوس المنهكة ، ويبشرها بعد طول صمود وعناء بانحدار الاحتلال الإسرائيلي .
كذلك نراه يبعث كافور الإخشيدي من الماضي البعيد ليذكرنا بما اشتهر من صفاته كي نستخلص العبر فيقول ():
على العرش كافور
والنيل خارت قوائمه وتهالك
ملتحفاً بالحصى والصخور
والأرضُ جرداءُ بورْ
وأنت تحدث عن شهوات الرياح اللواقح
عن رجفة تعتري رحم الأرض
عند انشطار النوى والبذور
على العرش كافور
وأنت تحدثُ عمن سيأتي
إنها إشارة عرضية واعية تمزج بين الرمز التاريخي والرمز الأدبي لتنشر الصفات التي خلدها المتنبي لشخصية هذا الحاكم الذي يرمز لكل حاكم متخلف أهوج ، ولعل شاعرنا لجأ لهذا الرمز لضرورة تجنبه بطش السلطان ، فهو يرى أن الحاكم اليوم هو كافور .
وفي إشارة عرضية إلى هجوم أبرهة الحبشي على مكة واعتزامه هدم الكعبة ، يبعث الشاعر من طيات التاريخ مقولة عبد المطلب بن هاشم لأبرهة الحبشي حينما استولى على إبله :" أنا رب الإبل ، وإن للبيت رباً سيمنعه "(1) ، ويقول () :
ما آن أن أخلو إلى نفسي
أعودُ إلى الذي قد كنته
قبل اندلاع الشيب في فوديّ
أهتفُ : للمدينة ربُها .. وأسوق إبلي
إنه يتمنى أن يستطيع العودة إلى حياته الاعتيادية قبل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ، ولكن هيهات ، إنه لا يستطيع التخلي ، مبرراً ذلك بمزيج من الإشارات الأسطورية والدينية والأدبية والتاريخية المعاصرة التي تعكس مجتمعة معاناة الشاعر ، ويأسه من الحصول على عون الأخوة العرب لتحرير القدس ، فهم يحتربون فيما بينهم في الخليج ويستعينون بأمثال أبرهة الحبشي () :
لكأنها إرم العماد
تدور في السبع الشداد
وكأنني المجنون تختلط الجهات عليّ
هل بانتْ سعادْ
أم أنها ذُبحت بساح المسجد الأقصى ؟
وتحتشد البوارجُ في الخليج لأن حييْ وائل اقتتلا
وتلتحق البسوس بقيصر
والرومُ تربطُ خيلها في السدر والنخل
حيث يشبه فلسطين بمدينة " إرم ذات العماد " فيبعث الرمز الديني أولاً "التي لم يخلق مثلها في البلاد"() ، ثم يبعث الأسطورة حين يقول :" تدور في السبع الشداد "()، مدللاً على يأسه من تحريرها لذلك شبه نفسه بمجنون ليلى حيث اختلطت عليه الجهات كما اختلطت على مجنون ليلى ، فهو يبحث عن فلسطين كما يبحث المجنون عن ليلى ، وتتمازج الرموز لتوهم بالتداخل والاضطراب ، فنراه يسأل عن سعاد صاحبة كعب بن زهير المذكورة في مقام مدح النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ليصل بحيرته إلى منتهاها ، هل ارتحلت المحبوبة أم قتلت ؟ ويتركنا في بحر الحيرة نتأمل حال سعاد الفلسطينية التي انشغل العرب عن البحث في مصيرها بحربهم في الخليج واستعانتهم بأعداء الأمة ملمحاً إلى قول المتنبي ():
لَو تَحَرَّفتَ عن طريقِِ الأعادي رَبَطَ السِدرُ خَيلَهُمْ و النخيلُ()
ليصل من خلال إشاراته العديدة المتداخلة إلى الدلالة التي يسعى إلى البوح بها والموقف والرؤية الذاتية في الواقع السياسي العربي ، إلى غير ذلك من الإشارات العرضية والإلماحات التاريخية السريعة التي نراها بين ثنايا قصائده ، والتي تسعى لربط الحاضر بالماضي في محاولة لتفسيره ، وتحث على استخلاص العبر والإفادة من تجارب الأجداد () .
أما تحلل الرمز التاريخي وبناء قصائد كاملة على دلالات هذا الرمز لتبوح بما قد يعجز الشاعر عن البوح به صراحة فنجدها في العديد من القصائد ، فقصيدته الموسومة بِـ "من أوراق عبد الرحمن الخارج" تمثل هذا النمط ، حيث يعكس عنوانها غاية الشاعر من استدعاء هذه الشخصية من إطارها التاريخي ، وإعادة صياغة ملامحها للتعبير عن رؤيته وتجربته ، فعبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية في الأندلس ، دخل إلى أرض غير عربية وألحقها بأرض الوطن ، أما عبد الرحمن الخارج فهو شاعرنا الذي يعد رمزاً لكل فلسطيني ترك وطنه قسراً وخرج إلى أرض بعيدة يستحيل إلحاقها بالوطن ، وهنا تتقاطع الدلالة الناتجة عن تقابل الخارج مع الداخل للتدليل على عجز الإنسان الفرد في مواجهة مصيره المحتوم ، كما تشي بدلالات رحلة الشاعر الحياتية بعيداً عن وطنه في مواجهة هذا المصير المحتوم وتمسكه بعروبته وتراثه ووطنه ، هذا هو أحد وجوه التشابه بين عبد الرحمن الداخل الرمز التاريخي ، وعبد الرحمن الخارج الرمز الفلسطيني ، إنه تشابه التجربة من حيث الغربة والوفاء للموروث والالتزام بالوطن ، وتقاطعات الدلالة بين التاريخي والواقعي نلتمس صورها في مثل قوله ():
مسلماً خطواتي للتيهِ
أوغلُ ..
يبكي رفيقي حين يرى الدربَ
لا نطلب الآن ملكاً
ولكن بقيةَ عمرٍ هزيلْ
ظبيةٌ تلك ..
أم لقمة العيش
تركضني خلفها ..
وورائي زغب الحواصل
واسعةٌ هذه الأرض
مزهوةٌ بالمساخر والطيشْ
أين سألقى رحالي
أنا الأموي المهاجر
ملبورنُ() ليست طليطلةً
وأنا لستُ صقر قريشْ
إن عبد الرحمن الداخل كان يطلب ملكاً ووطناً يضيفه للوطن ، أما عبد الرحمن الخارج فيبحث عن لقمة العيش فقط ، عبد الرحمن الداخل لم تراوده أحلام العودة لأنه أنشأ وطنه وعاش في ربوع ، أما عبد الرحمن الخارج فالوطن البديل أو المنفى القسري هو نقيض الوطن الذي يصعب عليه الانصهار فيه():
كيف سأعتاد وجهي البديل
وكيف سأعتادُ بُعدك
إني أفتقدتُك عند الصباح
وإني أفتقدتُك عند المساء
وإني أفتقدتُك طيلة هذا النهارِ الطويلْ
إنه يحلم بالعودة إلى ربوع الوطن ويبين شروط العودة الميمونة ، التي يراها في عودة زمن العزة والكرامة العربية ، زمن الوحدة وزوال الحواجز والحدود بين الأشقاء العرب ():
وقال صحابي : الفرارُ أم الأسر ؟!
قلت الفرار .. وصبرٌ جميلْ
إلى أن يعود الزمانُ
كهيئتهِ عندَ خلقِ السمواتِ والأرض
يفرخُ صقركِ بيضته في رمادِ الجليلْ
تصبين دجلة في النيلْ
يطرح نخلُ الخليج على قمم الأطلسي
ينوّرُ زيتونُ تونس في سفح أربيلْ
تنبع زمزم من صخرةٍ في الخليلْ
ولم ينس في خضم ذلك أن يذكرنا بقول أبي فراس الحمداني حينما وقع في أسر الروم():
وقال أُصَيحابي الفِرارُ أو الرَدى فقلتُ هما أَمرانِ أحلاهُما مُرُّ
وإن اختلف مع أبي فراس الحمداني الذي اختار القتال على الفرار حتى وقع في أسر الروم ، أما شاعرنا فقد اختار الفرار المؤقت حتى يعود الزمان العربي إلى سابق عهده لأن البطولة الفردية محكوم عليها بالفشل مهما كان حجمها .
ومن الرموز التاريخية الإنسانية ذات الدلالات العميقة التي تفسر رؤية الشاعر وموقفه من أسلوب تعامل القوى الغربية مع القضية الفلسطينية قصيدته المعنونة بـ "وولسنج ماتيلدا" هذا العنوان الذي يشير إلى أول امرأة بيضاء نفتها حكومة بريطانيا إلى أستراليا ، والتي تحولت في منفاها رمزاً للتآخي والمحبة والرحمة ().
يفرغ السبعاوي من خلال تفاعله مع هذا الرمز التاريخي ما في جعبته تجاه الغرب ممثلاً في بريطانيا التي هي سبب نكبة فلسطين ، فيرى أن جريمة "ماتيلدا " لا تقارن البتة بالجرائم التي اقترفتها الحكومة البريطانية ممثلة في الملكة " فكتوريا " ، قد تكون ماتيلدا سرقت مالا يستحق الذكر، ولكن فكتوريا سرقت بلاداً ، ونهبت شعوباً ، وسفكت دماء الأبريـاء ، ومع ذلك فقد أصبحت رمزاً للمجد والعظمة البريطانية () ، إنها المفارقة العجيبة كما يصورها الشاعر ():
هل سرقت شلناً فنفوها إلى آخر الأرض ؟
فكتوريا سرقتْ أمماً وسبت قاراتْ
سلبت فرحة الأمهاتْ
توجوها على السودِ والصفرِ
والجائعين العراةْ
لتكن فكتوريا ملكةً ..
ولكن ستبقين أنت ماتيدا
مليكة روحي
لقد توحد الشاعر وماتيلدا ، فالمعاناة واحدة ، كلاهما اقتلع من وطنه ، كما أن جلادهما واحد ، ومع ذلك فإنه يرفض أن يتأقلم مع الواقع الجديد وأن يستسلم للمصير الذي استسلمت له ماتيلدا التي ماتت في منفاها ():
تعانقني وتغمغم يا للصبيِّ
كلانا اقْتُلِعنا من الأرضِ
من وطن نعبده
الذراع التي طوَّحتْ بكَ قد طوحت بي
هتفتُ : ولكنني عربي
من بلاد النبي
ويأبى علىّ الحياءُ
وتأبى عمامة جدِّي
وتقوى أبي
إنه يعبر عن المراودة المستمرة بين الفلسطيني وأماكن تشرده المختلفة ، كل مكان يراوده على البقاء والانخراط فيه ، ولكنه لا يستطيع أن ينسى وطنه وتراث أجداده ، وأن يعطي نفسه لأي مكان آخر مهما كثرت المغريات .
3- المضمون الديني :
يعد النص القرآني مصدراً هاماً من مصادر التعبير الشعري و تكثيف الدلالة وإثرائها بالرموز الخصبة في شعر السبعاوي ، إذ يلاحظ أن السبعاوي قد استثمر ثقافته الدينية بشتى الطرق التي تناسب تجربته ورؤيته ، فنوع بين استلهام بعض المعاني القرآنية ، واقتباس بعض النصوص ، والإيحاء أو الإشارة مستغلاً الطاقة التعبيرية للفظ القرآني . كما أنه لم يغفل التوراة أو الإنجيل في إشاراته وتضميناته .
ورغم ما لاحظناه من ميل السبعاوي إلى الاتكاء على إشعاعات اللفظة القرآنية ، والاكتفاء غالباً ـ بالتلميح أو التضمين اللفظي ، إلا أننا لاحظنا أيضاً أن مجموع التلميحات والتضمينات المستمدة من قصة يوسف عليه السلام تكاد تشي بتحلل تلك القصة في نصوص الديوان ، وفي ظني أن تبرير ذلك يعود لماهية رموز ودلالات هذه القصة القرآنية التي تفسر معاناة الشعب الفلسطيني وتبوح بموقف الشاعر ورؤيته ، وشواهد ذلك كثيرة نذكر منها قوله() :
كان لي أخوة ورموني في الجُبّ ()
فاحتملتني لمصر القوافل
الذي يلمح فيه إلى موقف بعض الأشقاء العرب السلبي تجاه القضية الفلسطينية ، ويقابل ذلك بموقف مصر التي احتضنت يوسف عليه السلام بعد طول معاناة ، وعبر بها ومعها من عنق الزجاجة وتجاوز الأزمات حيث يوضح ذلك في قوله في موضع آخر() :
وسبعاً سماناً وسبعاً عجاف
توالين من أول العمر حتى نهايته
مشيراً إلى قوله الله عز وجل : "يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ "()، إنه يمتح من معين دلالات هذا الاقتباس القرآني ما يتماهى مع حال القضية الفلسطينية وما تمر به من انكسارات وانتصارات ، كما يشيع روح الأمل من خلال أبعاد هذه القصة ونهايتها السعيدة .
ومن ذلك قوله في قصيدة "الرياح اللواقح" المهداة للشاعر الراحل صلاح عبد الصبور() :
وكنت هممت بها حين همّتْ
وفرق بينكما عاصفٌ من دماءْ
عيونُ الخليفة ساهرةٌ
وجنودُ الخليفة ...
دفنوا ألف وضاح تحت السرير
وما غادرَ الشعراءْ
.. .. .. ..
والأميرة في قبضة الأخطبوطْ
يحفُ بها الجنرالاتُ والسفراءُ الأجانبُ والأرنؤوط
حيث يعتمد الدلالات الإيحائية للفظ " هَمَّ " الوارد في قوله تعالى : " وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا.."()، . ليشير إلى تطور العلاقة بين صلاح عبد الصبور ـ رمز المبدع ـ وأميرته المعشوقة ـ مصر ـ ، فكأني به يشير إلى مرحلة المد الفكري التي سادت مصر قبل هزيمة حزيران 1967 يؤكد ذلك قوله : " وفرق بينكما عاصف من دماء " الذي يشير إلى الهزيمة التي أعادت العسكر إلى الصدارة بعد أن همت مصر أن تضع المبدعين في هذه المنزلة . وكعادة الشاعر في تصيد رموزه من مصادرها المختلفة ، نراه يبعث الرمز الأدبي " وضاح اليمن " ليؤازر الرمز الديني والتاريخي في استكمال الرؤية التي يريد توصيلها للملتقي ، حيث يعود بنا إلى الشاعر عبد الرحمن بن إسماعيل الملقب وضاح اليمن الذي يرمز إلى جمال الطلعة وفصاحة اللسان ، ويرينا كيف كانت نهايته على يد الخليفة الوليد بن عبد الملك ()، ثم يشير إلى قول عنترة العبسي () :
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
ليؤكد استمرارية المحاولة – وما غادر الشعراء - ، وإصرار الشعراء على الوقوف في طريق الأميرة - الوطن - ومناغاتها من وراء ظهر الحكام ، وقد ساعد على توضيح هذه الدلالة انبعاث شخصية عنترة بما تحمله من رموز القوة والثبات التي تؤكد عدم الاستسلام لإدارة السلطان .
إلى غير ذلك من تضمينات أو إشارات أو استلهامات لبعض ألفاظ ومعاني سورة يوسف المتناثرة في ثنايا قصائد الديوان () .
أما خارج نطاق سورة يوسف فتتنوع الإشارات والاقتباسات التي تتناسب وتجربة الشاعر وما يريد البوح به ، فقوله ():
لإيلاف القريشيين كان الصيفُ يدّخرُ الغمامْ
وكنت أرتقبُ القوافل في تخوم الشام
يشير الشاعر إلى مكانة فلسطين التاريخية التجارية التي يجسدها ذكر رحلة الصيف التي كانت تقوم بها قريش " لإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ "()، وما تنطوي عليه دلالات تلك الرحلة من معاني الأمان والرخاء ، وكذلك قوله () :
لإيلاف غزة إيلافها
وللعبشميات ايلافها
أتتها القوافل من مطلع النور
تنثر في الأرض حناءها
تبوأها هاشم .. والغطاريف
ألقوا الرحال على بابها
كأن من الطيب هذا الثرى
ومن كوثر الله سلسالها
وحين رمتها خطوب الزمان
اجترح النصر أطفالها
فيالانتفاضتهم حين لبوا النداء
وزلزلت الأرضُ زلزالها
يماثل الشاعر بين العودة للوطن وما يحيط بها من مشاعر البهجة ، وبهجة قوافل قريش بما كانت تجنيه من رحلتها إلى الشام ، ثم يوازن بين ما كانت تنعم به فلسطين من رخاء وأمان ، وما أوصلتها إليه الخطوب ، ثم يستثمر الاقتباس القرآني " إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا "() ليضفي طابعاً من القدسية على الانتفاضة الفلسطينية ، ويعبر عن قوة إرادة أطفال الحجارة الذين قهروا الاحتلال . ومن إلماحاته وإشاراته السريعة أو العَرَضية لبعض الاقتباسات القرآنية قوله () :
وينحسر الزمن العربيُّ الجميل
أهز جذوع النخيل
فيشيح بخضرته عن دمى
مسلماً خطواتي للتيهِ
حيث يبعث دلالات المعجزة التي حدثت لمريم العذراء "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا "()، وأبت الحدوث للشاعر ، الأمر الذي أسلمه للتيه ، تيه بني إسرائيل الذي يتماهى مع تيه الشاعر في بلاد الغربة أربعين عاماً .وكذلك قوله () :
وما قتلوه .. وما صلبوهُ
ولكنهم ألزموه بأعناقهمْ
صارماً ليس ينبو
اقتباس لقول الله عز وجل في عيسى بن مريم عليه السلام : " وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ " () . وقوله () :
وحين يجوع صغارك في الليل
تمتدُّ أيديهمُ اللدناتُ إلى طوق صدرك
أو من خلال ثقوب الرصاص
فلا تسألي .. أيهم يرضعُ الثدى
أو يرضعُ الجرح
بل أطلقيهمْ طيوراً أبابيلْ
يقصفون العدوّ المدجج خلف السرابيلْ
بالحجار السجاجيلْ
كل سجيلة في المقاتل
كل سجيلة من ذراع صبي مُقاتل
تقول له الأم
جف على فمك الثدىُ
فارضع حليب الزلازل
وإما سقطت على الأرض
فانهض وقاتل
وانهض وقاتل
وانهض وقاتل
الذي تحلل فيه الرمز الديني المستمد من سورة الفيل ليعبر عن رؤية الشاعر للانتفاضة ، ويصور بطولة أطفال الحجارة الذين يستعصون على الموت بتجددهم وانبعاثهم كالعنقاء
إنهم الطيور الأبابيل الذين يقصفون العدو بحجارة من سجيل ، إن تمجيده لهم ورأيه في بطولتهم بلغ حد القداسة حيث أنزلهم منزلة طيور الأبابيل التي قصفت فيلة أبرهة الحبشي وجنوده بحجارة من سجيل .
إلى غير ذلك من الإشارات والاقتباسات القرآنية ذات الدلالات الخصبة التي لا يتسع المقام لحصرها () .
أما الرموز الدينية الأخرى ، المستمدة من التوراة والإنجيل ، فقد استلهم الشاعر ما يتناسب منها مع تجربته وموقفه ، لذلك كثرت إشاراته إلى حياة عيسى ابن مريم عليه السلام لأنها تنطوي على الكثير من الدلالات التي تصور معاناة الشعب الفلسطيني ، وأمثلة ذلك كثيرة نذكر منها قوله ():
وكم مرة ستروح سنةْ
وتجئ سنة ؟؟
وكم مرة سوف تُقرعُ أجراس بيت لحم
يولد طفلٌ و يصلب
بين يدي أمه المثخنة ؟؟
وكم مرة تسقط القدسُ
يرتفع الدمُ حتى يغطي الكنيسة والمئذنة ؟؟
أتممتُ في التيه يا وطني أربعين سنة
هرمت وما زلت أصعدُ جلجلتي
ساحباً نحو أرضك خطواتي الموهنة
يعتمد الشاعر في تصوير معاناة أطفال فلسطين على بعث قصة معاناة المسيح عليه السلام على أيدي اليهود ، وما يهيجه ذكر الجلجلة() في النفوس من معاني القهر والعذاب ، فهي المكان الذي كان يقتل فيه المحكوم عليهم بالموت ، والذي يعتقد المسيحيون أن المسيح عليه السلام صلب ومات فيه () ، ويستغرق الشاعر في تصوير معاناة الشعب الفلسطيني فيشير إلى المذابح التي ارتكبها الصليبيون في فلسطين ، وينتهي بذكر شتات الفلسطينيين في المنافي من خلال الإشارة إلى تيه بني إسرائيل .
ويؤكد الشاعر تماهي معاناة الشعب الفلسطيني مع معاناة المسيح عليه السلام فيقول في قصيدته الموسومة بـِ " الرسول " ():
أنا ملك الملوك
عرشي التراب
تاجي الشوك
شارتي المسمارُ في كفيّ
أما التضمينات التوراتية فبالإضافة إلى ما لاحظناه من تكرار الإشارة إلى تيه بني إسرائيل ، نذكر إشارته المثخنة بالدلالة إلى شمشون في قوله () :
كأنك قد جززت غدائر الجبار
(هل ترك الغزاةُ سوى جماجمهم )؟
فردي الباب
وابتسمي .. ينورُ برتقال المرج
يحل الزيت في الزيتون
تزدادُ السنابل وَهْج
ويعتدل الفلسطيني فوق السرج
يبعث الشاعر في وجدان المتلقي قصة شمشون الإسرائيلي قاطع الطريق الذي كان يعتدي على أموال الفلسطينيين وأرواحهم ، ونهايته في غزة على يد دليلة الفلسطينية التي جردته من قوته ومكنت شعبها من القضاء عليه() ، حيث أسقط الشاعر دلالات هذه القصة التوراتية على منجزات الانتفاضة التي قابل أهلها العُزّل المحتل الإسرائيلي المدجج بالسلاح ، و استطاعوا تقليم أظافره وإفقاده سر قوته .
4- تضمين التراث الشعبي :
تتجلى القصص والحكايات والأغاني والأمثال والملاحم الشعبية في ثنايا قصائد الديوان وبعض عنواناتها كمظهر من مظاهر توظيف التراث ، وكمرتكز من مرتكزات الشاعر التراثية التي اعتمدها وسائط لتنشيط الأفكار ونقل الأحاسيس تجاه الواقع الفلسطيني وما يكتنفه من مشاكل وأزمات ، فهو يشير إلى مضمون هذه العناصر التراثية أو مغزاها ؛ أو يستعير أسماء بعض شخصياتها ، ثم يعيد صياغة حكايته الخاصة من هذه العناصر ليعبر بجرأة وقصد عن تصوراته عن الواقع الفلسطيني وموقفه منه . وأمثلة ذلك في الديوان عديدة ، فمما يمثل القصص والحكايات الشعبية نذكر القصيدة الموسومة بـ "ليلى والذئب" التي استعارت عنوان حكاية من أشهر الحكايات الشعبية وأكثرها انتشاراً بين الشعوب ، حكاية الذئب الذي التهم جدة ليلى ثم لبس ملابسها ليخدع الحفيدة ويوهمها بأنه الجدة حتى يتمكن من التهامها أيضاً () ، وقد اختار الشاعر جزءاً من الحوار الذي دار في الحكاية بين الحفيدة والذئب وضمنه بلفظه ومعناه في قصيدته فقال ():
غزة تنهض كالحلم .. كالذكرياتْ
تئز الشراراتُ في موقد وتطير الحكاياتْ
" ليلى تحب الفراشاتْ ..
تجمع إكليل ورد لجدتها ويسابقها الذئبْ
ـ يا جدتي فيما عيناك .. أذناك .. فكاك ؟!
ملعونةٌ أنتِ قد نبتتْ في يديك المخالبْ
تصرخ ليلى "
تظلُّ عيونُ الصغار مسهدة للصباحْ
وتغفو عيونُ الثعالبْ
يحاول الشاعر أن يشير من خلال تضمين اسم هذه الحكاية إلى مغزاها الأخير الذي يتماهى مع ممارسات الاحتلال ، قاصداً التحذير مما يقدم عليه الذئب الإسرائيلي من تغيير ملامح المدن والقرى الفلسطينية التي التهمها ؛ وطمس هويتها وغير أسمائها العربية بأخرى عبرية .
أما تصوير الحياة الشعبية الفلسطينية بأعيادها ومواسمها وأغانيها وعاداتها فنراه مضمناً في هذه اللوحة الفنية التي يسترجع فيها الشاعر مباهج حياته في ربوع الوطن قبل أن يشرده الاحتلال ، ويقابل ذلك بما يسمعه أو يقرأه عن ممارسات المحتل الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية ، يقول ():
لماذا تعودُ الرسائلُ مغلقة ليلة العيدْ
أسألُ ساعي البريد البريدْ
هلْ أغمضتْ جفنها في ليالي الحصارْ ؟!
هل خبزتْ للصغار
كعك أيوب ؟
هلْ زَوَّقَتْ بيضَ باب الدارومْ ؟!
هلْ زغردَتْ للخيول التي رمحتْ
في خميس أبو الكاس ؟!
قيل : دراويشُها ابتلعوا الشوك والنارْْ
وابتسموا في عناق السيوفْ
قيل : تنهض من نومها في القميص الشفوفْ
وحنّاؤُها .. دمُ أبنائها
يتوهجُ فوق الكفوفْ
تميلُ على نغمات الدفوفْ
( شعرِك طويل وخيلي وعذَّب البلاّنه )()
لقد اشتمل النص السابق على العديد من عناصر التراث الشعبي ، وبعث في الذاكرة طقوس الاحتفال في غزة بثلاثة أعياد أو مواسم سنوية ، هي موسم أيوب أو أربعاء أيوب ، الذي يحتفل فيه أهل فلسطين بصنع الكعك والاستحمام في البحر بغرض الاستشفاء تيمناً بالنبي أيوب عليه السلام () ، وخميس البيض أو موسم باب الداروم الذي كان يحتفل فيه أهل غزة بانتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في منطقة الداروم قرب غزة عام 573 هجرية() ، ويصادف عيد الفصح عند النصارى ، وفيه كان يباهي المسلمون النصارى باستعراض قوتهم ، ومثله موسم أبو الكاس أو خميس أبو الكاس ، الذي كانت تعقد فيه سباقات الخيل ، ويقدم فيه المتصوفة ـ الدراويش ـ بعض العروض التي تدلل على كراماتهم ، كابتلاع الشوك أو لعق النار .
وقد تقابلت رموز ودلالات هذه الأعياد الشعبية مع واقع الفلسطينيين زمن الانتفاضة لتعمق الإحساس بمرارة الواقع ، فرموز النصر على المرض() ، أو على الصليبيين ، تقابل شواهد الهزيمة من حصار ونفي وهدم بيوت وسفك دماء ، هذا بالإضافة إلى ما نراه من امتزاج وتداخل بين المشهد الجنائزي الذي يزف فيه الفلسطينيون شهداءهم ، ومشهد العروس ـ فلسطين ـ التي تحنت بدم الشهداء قبل أن تزف إلى عريسها على أنغام الأغنية الشعبية (شعرِك طويل وخيلي وعذَّب البلاّنه)، التي ضمنها الشاعر ليفيد من مغزاها الأخير ودلالتها على تواصل الكفاح ، إن هذا المشهد الذي يرمز إلى الثمن الباهظ الذي يدفعه الفلسطينيون مهراً لفلسطين يتكرر في غير موضع من قصائد الديوان ، من ذلك مثلاً ():
زغردي خلف نعش الشهيد
وعودي لكي تصنعي للعريس الوسادهْ
أما المثل الشعبي فقد احتل موقع الصدارة والاهتمام ، حيث اتخذه الشاعر عنواناً لديوانه ، ليشي بمضمون تجربته ويعبر عن أحاسيسه وأفكاره ، فعنوان الديوان "متى تُرك القطا" يبعث في وعي المتلقي ووجدانه المثل العربي القديم : "لو تُرك القطا لنام"() ،ويثير سحابة من الأفكار والمشاعر حول القطا الفلسطيني الذي لم ينعم بالراحة يوماً ، ولم يهدأ باله فيخلد للنوم ، ويبعث معاناة فلسطين منذ فجر التاريخ وهجمات الطامعين المتعاقبة ؛ وكفاح الشعب الفلسطيني الذي لم يعرف الأمن والطمأنينة . ويتشابك مع دلالة هذا المثل دلالة كل الأمثال التي اشتمل عليها الديوان ، وجميعها تتجانس في دلالاتها ورموزها مع مضمون الديوان السياسي ، من ذلك مثلاً تضمينه المثل القائل : "لا يفل الحديد إلا الحديد" في قوله():
خنساءُ ..
لا تبدأي في الرثاء
إلى أن يفل الحديدُ .. الحديدْ
ويصدقنا اللهُ موعدَهُ
ويعز عبادَهْ
وقوله معارضاً المثل القائل : "بلغ السيلُ الزُبى" وهو يتحدث عن صمود الأهل رغم كثرة التضحيات():
في كل شبر من ثراها ..
جدولٌ من دم الأهل ..
قد جرى .. ولم يبلغ الزبى
هي في خندق الرباط إلى القدس ..
ما كبا الجوادُ بها ..
ولا سيفُها نبا
ومما يمثّل توظيف السيّر والملاحم الشعبية نذكر قصيدته الموسومة بـ "العودة من وادي الغضا" التي يبعث عنوانها أحداث سيرة بني هلال ()، فوادي الغضا هو المكان الذي نفي فيه فارس بني هلال "دياب بن غانم" في العصر الفاطمي ، وعودته من ذلك المنفى ليقود قبيلته ويفتح تونس تتقابل مع عودة الشاعر إلى غزة بعد إبرام اتفاقية أوسلو ، إن شاعرنا يحاول أن يصنع أسطورة عودة الفلسطيني من المنفى من خلال الجمع بين المتقابلين لكي يتيح للمتلقي فرصة تفسير هذا التقابل ورموزه ، يقول() :
أعودُ بهم إلى بلدي
يداً بيدِ
وأسكنُهم خلايا الروح والجسدِ
وأعلم أنني سأموتُ حين أموتُ في لين الفراشِ
وأنهم يحْيون للأبد
ففيم إذا سُئلتُ اليومَ عنهم
خانني جَلَدي..
ونهنهني البكاءُ كأنّ آلافَ الثواكل
صِحْنَ يا ولدي
كأنّي قد رجعت لغزة وحدي
أحقاً عدتُ من منفاي
أبحثُ في ركام الدور والأنقاضِ عن أهلي
أغزة تلك ..
أمْ أضغاثُ أحلامٍ تُخَيَّلُ لي
إن دياب بن غانم بطل ملحمة بني هلال عاد من المنفى وقاد الفرسان وفتح تونس ، أما شاعرنا فقد عاد بأرواح الشهداء الذين سقطوا على طريق التحرير ليخلدهم في ضمير ووجدان الأمة ، وشتان بين العودتين ؛ عودة دياب المفعمة ببهجة النصر وعودة شاعرنا المفعمة بمشاعر الحزن والأسى على الذي ينبعث من سؤال الأهل عن أبنائهم ، كما ينبعث من مشاهد الدمار والخراب الذي أصاب غزة .
وقد تكررت إشارة الشاعر إلى الهلالية ، خاصة القسم المسمى "تغريبة بني هلال" ، لأنه يفصح عن سر اختياره عنوان "من يوميات البحر" لإحدى قصائده التي يصور فيها صنوف العذاب الذي يقاسيه الفلسطيني في غربته ، يقول() :
طارَ اليمامُ وحطَّ اليمامْ()
كيفَ أسلمني الحلمُ للحلم
واليومُ لليوم
والعامُ للعامْ
يونس في بحر تونس ..
ساقُ عزيزة مجدافُهُ
وضفائرُها قَلْعُهُ()
والمدى صبوةٌ واغتلامْ
إنه يشير إلى ما جاء في تغريبة بني هلال عن المنجمين الذين كانوا يبحثون عن يونس فيرونه "يخوض في بحر الدم في زورق من الذهب ، ومجدافه ساق صبية . وقد كانت عزيزة أخفته في مخدعها لكي لا يصل إليه أحد "() .ويهدف الشاعر من ذلك إلى تعميق الإحساس بمدى صمود الفلسطيني رغم ما يتعرض له من مخاطر وأهوال .
تضمين التراث الأدبي :
أشرنا فيما سبق من هذا البحث إلى العديد من التضمينات الأدبية التي رأينا عناصرها متشابكة مع باقي عناصر التراث ، وقد وقفنا على بعض التضمينات والإشارات التي استلهم فيها السبعاوي ما اشتهر من أبيات شعراء العربية أمثال المتنبي وأبي فراس الحمداني وعنترة العبسي ..().
ومما تجدر ملاحظته في هذا المقام أن مظاهر تعامل شاعرنا مع التراث الأدبي ورموزه قد تجلت من خلال الإشارات السريعة إلى بعض مشاهير شعراء العربية في عصور الأدب المختلفة ، معتمداً على ما اشتهر من رموز هذه الأسماء وصفاتها ، كأن يطالب الخنساء بعدم البكاء وهو يحرض على الثأر لدم الشهداء() ، أو أن يشبه نفسه بمجنون ليلى الذي اختلطت عليه الأمور وهو يبحث عن محبوبته ـ الوطن ـ () ، أو أن يذكر ليلى وقيس وهو يبرهن على صدق حبه وطهارته()..
كما تجلت مظاهر توظيف التراث الأدبي في كثرة التضمينات المنتشرة في الديوان ، سواء تضمين ألفاظ وتراكيب شعرية اشتهرت بها معاجم بعض الشعراء ، أو تضمين معاني ، أو معاني وألفاظ بعض الأبيات السيارة في الأدب العربي ، وأمثلة ذلك كثيرة نذكر منها قوله():
أُغادر عينيكِ متشحاً بغبار المعارك
متشحاً بالصهيلْ ..
أُنكّس رأسي فتنكرني الخيلُ والليلُ
ينكرني وجهُ أمي
وينحسر الزمن العربي الجميلْ
إن عطف الشاعر الليل على الخيل تضمين واضح لقول المتنبي() :
الخيلُ والليلُ والبَيداءُ تَعرِفُني والسَّيفُ والرُّمحُ والقِرْطاسُ والقلمُ
وقد أكد الشاعر على تعمده بعث هذا البيت وأجوائه النفسية حينما أشار إلى انحسار زمن المتنبي ، الزمن العربي الجميل ، زمن البطولة والكرامة . ومن أمثلة ذلك أيضاً قوله() :
ظبيةٌ تلك ..
أم لقمة العيشْ
تركضني خلفها
وورائي زغبُ الحواصل
الذي يضمنه ما اشتهر من تراكيب الحطيئة "زغب الحواصل" ويذكرنا بقوله():
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مَرَخٍ زُغبِ الحَوَاصلِ ، لا ماءٌ ولا شَجَرُ ؟
لكي يبعث الإحساس بالفقر والفاقة التي عاناها الفلسطيني ـ الشاعر ـ حينما أرغم على ترك وطنه ، إلى غير ذلك من تضمينات الألفاظ والتراكيب() ، أما تضمين المعاني فنذكر منه قوله():
يبكي رفيقي حين يرى الدربَ
لا نطلبُ الآن مُلكاً
ولكن بقيةَ عمرٍ هزيلْ
الذي يضمنه قول امرئ القيس():
بكى صاحِبي لمّا رَأى الدَربَ دونَهُ
فقُـلـتُ لَـهُ لا تَبـــكِ عَينُـــكَ إنَّمـــــــا وأيقَنَ أنَّا لاحِقانِ بقَيصَرا
نُحـاوِلُ مُلكــاً أو نَمـوت فَنُعــــــــذَرا
يعتمد السبعاوي على هذا التضمين في تصوير حجم معاناة الفلسطيني في غربته ، ويدلل على حقه في العيش الكريم من خلال معارضة امرئ القيس في الغاية ، فهو لا يطلب ملكاً مثل امرئ القيس .
أما تضمين الأبيات أو الأسطر الشعرية من مشاهير الشعراء القدماء والمحدثين في شعره فأمثلتها عديدة ، نذكر منها قوله():
(اختلاف النهار والليل ينسي)
غير أني بذلتُ في الحبّ نفسي
كيف أنسى وجه التي منذ غادرتُ
لم يغادرْ نحيبُها قرارة حسيّ
أهي أمي التي بكتْ ..
أم لداتي
أم عروسٌ ودعتني صبيحة عُرْسي
أم بلادي قد أجهشت وهي سبيٌ
لغاصبيها .. من كلّ لون وجنس
الذي يضمن فيه شطراً من مطلع قصيدة أحمد شوقي():
اختلافُ النَّهارِ والليل يُنسي اذكرا لي الصِّبا ، وأيامَ أُنسي
ومن ذلك تضمينه معنى قول دُريد بن الصمة():
وهَلْ أنَا إلاَّ مِنْ غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ غَويتُ وإنْ تَرشُدْ غَزِيَّةُ أرْشُدِ
الذي يستثمره السبعاوي في إظهار موقفه ورأيه الذي يتماهى مع رأي دُريد ومشورته التي لم يأخذ بها قومه ، وكان عليه أن يتحمل جريرة رأيهم ، يقول():
جُنّت غزيّةُ واستخفّتْ حين جُدْتُ لها بعقلي
ليرتكز على ما تثيره تلك القصيدة من معاني وأحاسيس في التعبير عن تجربته الخاصة ، التي تغاير تجربة شوقي بقدر ما تلتقي معها في التعبير عن حب الوطن والحنين إليه ، فحنين شوقي لمصر الحرة يهيج ذكرياته البهيجة ، ويسترجع معالمها النضرة ، أما حنين السبعاوي لفلسطين السبية فيبعث صوراً من معاناتها على أيدي الغاصبين ، فكأني بالسبعاوي قد اعتمد هذا المطلع وسيلة للبوح وتفجير الأفكار والأحاسيس ، لذلك نراه يعود لهذه القصيدة ثانية ليضمن منها قول شوقي :
وطني لو شُغِلتُ بالخلدِ عنه نازعتني إليه في الخُلد نفسي
ليجدد دفقته الشعورية ، ويؤكد حبه للوطن ؛ معتمداً على شهرة بيت شوقي ، فيقول():
(وطني لو شُغلتْ بالخلد عنهُ
نازعتْني إليه في الخُلد نفسي )
وطني وميراثُ آبائي وأجدادي
وعهدُ الصبا .. وأيامُ أُنسي
قبلتي حيثما كنتُ ظلت فلسطينُ
وظلت القدسُ نُسكي وقُدسي
ومن مأساة الحلاج للشاعر للشاعر صلاح عبد الصبور اقتبس السبعاوي ثلاثة أسطر شعرية نراها في قوله():
وقلت اتّبعني أعلمكَ
إني اتّبعتُكَ من مطلع الفجر حتى الزوالْ
(وكنتُ أحبُّ السؤالْ:
وكنتَ تحبُّ النوالْ
تقول : هو الحبُّ سرُّ النجاة .. تعشّقْ تفُزْ)()
تعشقت حتى الجنون .. وحتى الحُبوطْ
والأميرةُ في قبضة الأخطبوطْ
يحف بها الجنرالات والسفراءُ والأجانبُ والأرنؤوط
إنه يستثمر شهرة "مأساة الحلاج" ووضوح دلالاتها ومغزاها الأخير الذي يعبر عن موقف صلاح عبد الصبور من المثقف العربي الذي آثر السلامة ووقف موقف الحياد لينجو بنفسه من بطش السلطان ، ليشاركه الإحساس بخيبة الأمل في المثقفين الذين يقفون هذا الموقف .
وبعد .. فقد وظف السبعاوي جميع عناصر التراث ، وانتفع برموزه ودلالاته في التعبير عن تجربته وموقفه أيّما انتفاع ، وجاء توظيفه لتلك العناصر موزعاً بين الإشارة والإلماح والتضمين الجزئي ، وبين الاستغراق الكلي للقصيدة من أولها إلى آخرها ، وقد كان الهمّ السياسي وراء ذلك كله ؛ حيث رأينا الإسقاطات السياسية الغزيرة تمثل عمق دلالة قصائد الديوان .
وقد لاحظنا رجحان كفة اهتمامه بالتراث الإسلامي ، رغم عدم إغفاله التراث العربي والإنساني عامة ، كما لاحظنا اهتمامه بالتراث الفلسطيني وخاصة الغزي منه ، وكما هو معلوم فإن هذا الاهتمام يمثل اعتزاز الشاعر بالتراث الإسلامي والوطني ، وتبرير ذلك في ظني يمكن أن نلتمسه في ظروف نشأة السبعاوي وتكوينه الثقافي ، فاهتمامه بالتراث الإسلامي ينبع من نشأته الأسرية ، حيث كان أبوه يمتلك كُتَّابا لتحفيظ القرآن وتدريس علومه ، ومكتبة تعج بكتب التراث ؛ من سير وملاحم ودواوين شعرية وقصص البطولات العربية والإسلامية ، وقد انتفع شاعرنا بذلك كله ، ورأينا مظاهر ذلك جلية في ديوانه ().
أما اهتمامه بالتراث الفلسطيني الغزي فأظن أنه انعكاس لغربته ، وشعوره بفقد وطنه ، وحرمانه من العودة إليه ، الأمر الذي وضع وطنه وقضاياه السياسية في دائرة الاهتمام وبؤرة الشعور، في محاولة مشروعة لتعويض هذا الحرمان ؛ ورفض الواقع المعيش .
المصادر والمراجع
أبو زيد القرشي ، جمهرة أشعار العرب ، تحقيق ، على محمد البجاوي ، طبعة بيروت .
أبو شامة (شهاب الدين محمد)، الروضتين في أخبار الدولتين ، طبعة دار الجيل ، بيروت .
ابن منظور ، لسان العرب ، تحقيق عبد الله الكبير وآخرون ، ط. دار المعارف ، القاهرة .
أحمد كمال زكىي ، الأساطير ، الطبعة الأولى ، مكتبة الشباب ، القاهرة 1975 .
الأخوين غريم ، حكايات الأخوين غريم ، ترجمة عبد الرحيم صالح الرحيم وآخر ، الطبعة الأولى، دار ثقافة الطفل ، العراق 1987 .
أنس داود ، الأسطورة في الشعر العربي الحديث ، طبعة القاهرة .
توفيق كنعان ، الأولياء والمزارات الإسلامية في فلسطين ، ترجمة نمر سرحان ، منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية ، رام الله 1998.
ديوان أحمد شوقي (الشوقيات) ، دار الكتاب العربي ، بيروت .
ديوان امرئ القيس ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، طبعة دار المعارف ، القاهرة .
ديوان الحطيئة ، تحقيق نعمان محمد طه ، الطبعة الأولى ، مكتبة الخانجي ، القاهرة 1987 .
ديوان صلاح عبد الصبور ، طبعة دار العودة ، بيروت 1988 .
ديوان المتنبي ، تحقيق عبد المنعم خفاجي وآخرون ، طبعة مكتبة مصر ، القاهرة 1994 .
الزوزني ، شرح المعلقات السبع ، مكتبة المعارف ، بيروت 1983 .
زينب بنت يوسف العاملي ، الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ، الطبعة الثانية ، دار المعرفة ، بيروت 1312هـ .
عبد الرضا علي ، الأسطورة في شعر السياب ، طبعة بغداد 1978 .
عبد الكريم السبعاوي ، رواية العنقاء ، دار سبيل للنشر ، أستراليا 1989 .
عبد الكريم السبعاوي ، ديوان متى تُرك القطا ، الطبعة الأولى ، دار النورس ، غزة 1996 .
عبد الملك بن هشام ، السيرة النبوية ، تحقيق أحمد السقا ، طبعة دار التراث العربي ، القاهرة 1979.
عز الدين إسماعيل ، الشعر العربي المعاصر ، الطبعة الثالثة ، دار الفكر العربي ، القاهرة 1978
عمر أبو النصر ، تغريبة بني هلال ، طبعة المكتبة الثقافية ، بيروت 1981 .
على حداد ، أثر التراث في الشعر العراقي الحديث ، الطبعة الأولى ، وزارة الثقافة والإعلام ، بغداد 1986 .
فراس السواح ، الأسطورة والمعنى ، الطبعة الأولى ، منشورات دار علاء الدين ، دمشق 1997 .
فريدرش ديرلاين ، الحكاية الخرافية ، ترجمة نبيلة إبراهيم ، طبعة دار نهضة مصر ، القاهرة 1965
ليو تاكسل ، التوراة كتاب مقدس أم جمع من الأساطير ، ترجمة حسان إسحاق ، الطبعة الأولى ، الجندي للطباعة والنشر 1994 .
مجدي وهبة ، معجم المصطلحات الأدبية ، طبعة مكتبة لبنان ، بيروت 1974 .
مجلة الرأي ، مجلة شهرية تصدر عن مركز الرأي للإعلام ، غزة ، فبراير 1998 ، العدد 17 .
مصطفى الشكعة ، سيف الدولة الحمداني ، الطبعة الثانية ، عالم الكتب ببيروت ومكتبة المتنبي بالقاهرة 1977 .
الموسوعة الثقافية ، إشراف حسين سعيد ، طبعة دار الشعب ، القاهرة 1972 .
الموسوعة العربية الميسرة ، إشراف محمد شفيق غربال ، طبعة دار نهضة لبنان 1980 .
الموسوعة الفلسطينية ، الطبعة الثالثة ، دار الأسوار عكا ، 1986 .
يسري عرنيطة ، الفنون الشعبية في فلسطين ، الطبعة الثالثة ، وزارة الثقافة ، فلسطين 1998 .
B
توظيف التراث
في ديوان "متى تُرك القطا"
د. نبيل خالد أبو علي
الجامعة الإسلامية ـ غـزة
غـزة ـ فلسطين
أما قبل :
فإن عنوان هذا الديوان يعبق بأريج التراث ويبعث في وجدان المتلقي البيئة والأجواء التي انبعث منها المثل الجاهلي " متى تُرك القطا " ، ويثير سحابة من الأفكار والأسئلة حول طبيعة تجربة عبد الكريم السبعاوي() الإبداعية النفسية ودلالاتها .
وما ينسحب على عنوان الديوان ينسحب على عنوانات قصائده رغم تنوع ارتباطاتها بعناصر التراث ورموزه ؛ ما بين الارتباط بالملاحم والسير الشعبية "العودة من وادي الغضا"، أو بالتاريخ الإسلامي وأبطاله "من أوراق عبد الرحمن الخارج" ، أو بالحكايات والأساطير الشعبية "النداهة" و"ليلى والذئب" ، أو بتاريخ النضال الفلسطيني ورموزه "ماجد أبو شرار يعود إلى دورا" ، أو بالتراث الأدبي العربي "عيون المها" و"مواسم الهجرة إلى الوطن" ، أو بالحكايات والأساطير الأجنبية "وولسنج ماتيلدا".
ولما كان العنوان من أبرز مفاتيح الدلالة لأن الشاعر يصب فيه كل ما في قصيدته من تيارات دلالية وطاقات إيحائية ، فإن الرموز والدوال التي يثيرها العنوان توحي بما يصطرع في ذهن الشاعر من أفكار وفي وجدانه من أحاسيس ومشاعر ، لذلك فهي تحفز وعي المتلقي وتستثير خبرته وثقافته ليكتشف التيارات الدلالية والطاقات الإيحائية التي تبشر بجوانب الإبداع المضموني للديوان .
ورغم ما للعنوان من أهمية في البوح بمضمون التجربة و أجوائها النفسية إلا أنه لم يكن وحده المشجع على نسج هذه الدراسة وتحديد ماهيتها ، لقد كان وسيلة لاستدراجي للدخول في عالم الشاعر ، وكانت عناصر التراث المتنوعة ؛ العربية والإسلامية والإنسانية العامة ، التي تعج بها قصائد الديوان هي المشجع والمحدد الرئيس لماهية هذه الدراسة ومنهجها .
نعم لقد بسطت المضامين التراثية نفوذها فهيمنت على القسم الأكبر من هذه الدراسة ، وذلك بتنوع مصادرها وتنوع رموزها وطرق ورودها في الديوان حيث اشتملت عناصرها على الرموز الأسطورية ؛ الفلسطينية والعربية وأساطير الشعوب الأخرى عبر الحقب التاريخية المتتابعة ، كما اشتملت على الرموز والوقائع التاريخية والتاريخسطورية ، والرموز والشخصيات الدينية ؛ المسيحية والإسلامية ، وكذلك حكايات الجاهلية ورموزها الوثنية ، والرموز الأدبية وغير ذلك .
وقد تنوع توظيفه لعناصر التراث ما بين الإشارة والإلماح والتضمين الجزئي ، وبين الاستغراق الكامل للقصيدة بأسرها ، كذلك اتخذ - غالباً - الشكل الأفقي التسجيلي الذي يبدو كظاهرة عرضية في القصيدة ، كما اتخذ الشكل التوظيفي الفعال الذي ينم عن مقدرة فائقة على إظهار ما وراء هذا التوظيف من الإسقاطات السياسية والاجتماعية والإنسانية .
وقد تطلب تنبع أشكال توظيف عناصر التراث وما ينطوي عليه من مضامين أن تتناول هذه الدراسة التضمينات التراثية بالدرس والتحليل ؛ الأسطوري منها والتاريخي والديني والأدبي والشعبي، كما تطلب التنبيه على التباس بعض عناصر التراث ببعضها البعض حتى يصعب التمييز أحياناً بين عنصر وآخر ، فالخرافة مثلاً تلتبس بالأسطورة ، والحكايات البطولية تتداخل مع الخرافة ، والحكايات الشعبية مع الحكاية البطولية .. ولعل سبب ذلك هو عدم دقة تعريف هذه العناصر ، فتعريف الأسطورة بأنها : " حكاية إله أو بطل خارق ، تحاول أن تفسر بمنطق الإنسان الأول وبخياله ـ أو وهمه ـ ظواهر الحياة في عالم موحش ، يثير دائماً السؤال من أجل المعرفة ويقترح الجواب . وهي في كل أولئك تتضمن وجداناً جماعياً تقبلها من أجله الأجيال بسهولة .. "() لا يعد تعريفاً جامعاً مانعاً يحول دون التباس الخرافة بها ، وكذلك فإن الاجتهاد في البحث عن التعريف المنشود الذي يحدد ماهية الأسطورة لن يوصلنا إلا إلى غابة من التعريفات ، التي منها أن الأسطورة هي "الجزء الناطق من الشعائر البدائية ، الذي نمّاه الخيال الإنساني ، واستخدمته الآداب العالمية .. فهو يعني تلك المادة التراثية التي صيغت في عصور الإنسانية الأولى ، وعبر عنها الإنسان في تلك الظروف الخاصة عن فكره ومشاعره تجاه الوجود فاختلط فيها الواقع بالخيال وامتزجت معطيات الحواس والفكر واللاشعور واتحد فيها الزمان كما اتحد فيها المكان"() ، ومنها أن "الأسطورة سرد قصصي لا يمكن إسناده إلى مؤلف معين ، يتضمن بعض المواد التاريخية إلى جانب مواد خرافية شعبية ألفها الناس منذ القدم "()، ومنها : " هي حكايات خرافية تعبر عن استجابة الإنسان الأولى لعالمه "() ، إلى غير ذلك من التعريفات المتشابكة () .
وقد حاول الباحث فراس السواح أن يستخلص تعريفاً محدداً من جملة تلك التعاريف فلم يجد بداً من إضافة شرط القداسة لكي يحول دون تشابك عناصر التراث فقال : "إن الأسطورة هي حكاية مقدسة ، ذات مضمون عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود وحياة الإنسان"() ، ليجعل بعد ذلك القداسة الفارق الوحيد بين الأسطورة والخرافة لأن الخرافة – كما يرى – لا تتسم بالصدق والقداسة التي تتمتع بهما الأسطورة ()، ورغم هذه المحاولة الجادة فإننا نرى أن القداسة مقياس نسبي لا يصلح للتمييز بين الأسطورة والخرافة ، خاصة أنه ربطها بحدود القوم والبيئة التي نشأت الأسطورة فيها ، ذلك لأن الخرافة أيضاً تتمتع بصفة القداسة غالباً في القوم والبيئة التي نشأت فيها ، وليس أدل على ذلك من المثل الذي ضربه فراس للخرافة ، حينما عرف الخرافات بأنها حكايات تدور حول الأبطال الخرافيين مثل سيف بن ذي يزن والأميرة ذات الهمة ()، فالحكم على حكايتي سيف بن ذي يزن والأميرة ذات الهمة بأنهما من الحكايات الخرافية حكم تعوزه الدقة ، حيث نجد سيف بن ذي يزن قد حاز القداسة والصدق ، وأنه لا يعد بطلاً خرافياً في البيئة التي نشأت فيها سيرته ،فهو " سليل ملوك حمير ، الذي احتفلت المخيلة الشعبية به ، لدوره في التاريخ القومي العربي ، وطرده الأحباش من بلاد العرب"()، وهو أيضاً شخصية أسطورية تنسب له العديد من الأعمال الخارقة التي ينسب مثلها لأبطال الأساطير ، وحكايته تصنف تحت باب الأسطورة التاريخية أو كما يسميها بعض الدارسين التاريخسطورة (). أما الأميرة ذات الهمة فتندرج حكايتها تحت باب الحكايات البطولية التي يعدها السواح أقرب أقرباء الخرافة ويشترط فيها واقعية الأحداث وأن يبدو البطل فيها بصورة مثالية عن الإنسان () ، وهي في ظني تندرج أيضاً تحت الأسطورة التاريخية ، فأحداث حكاية الأميرة ذات الهمة أقرب إلى الواقع رغم المبالغة والتهويل ، وهي شخصية تاريخية "حيك عنها وعن ابنها عبد الوهاب قصص كثيرة . ظهرت عليها أمارات البطولة صبية ، فسميت ذات الهمة . رحلت إلى مناطق الثغور واهبة نفسها لجهاد الروم ، وبايعها بنو كلاب في ملطية ، وأصبحت شبه مستقلة عن بغداد . أسماها الخليفة هي وابنها : "سيفي الإسلام" . كانت تشترك بنفسها في القتال ، ووقعت مراراً في أسر الروم ، وأوذيت كثيراً"() .
وهكذا فإن القداسة لا تصلح مقياساً مائزاً بين الأسطورة والخرافة ، أو بينها وبين باقي عناصر التراث لأنها من الأمور النسبية ، ولأنها لا تقتصر على حكاية دون أخرى مادام الأمر مرتبط باعتقاد القوم والبيئة – الزمانية والمكانية - التي تنشأ فيها الحكاية . لذلك رأينا أن ننأى بأنفسنا عن الخوض في غمار التنظير والتعريفات وتأكيد تداخل عناصر التراث وصعوبة التمييز القطعي بين بعض هذه العناصر على صعيد النظرية ، وأن نقسم التضمين التراثي الذي وقفنا عليه في ديوان "متى تُرك القطا" إلى : تضمين أسطوري ، وتضمين تاريخي ، وديني ، وأدبي ، وشعبي ، وذلك لأننا نرى أن الكشف عن سبل توظيف هذه العناصر وما تنطوي عليه من معان ودلالات هو غايتنا في هذا البحث ، وأن إدراج الأسطورة والخرافة أوالتاريخسطورة والحكايات البطولية تحت باب واحد.. لا يتعارض وهذه الغاية خاصة أن توظيف الرمز التراثي قد يتخذ عدة أشكال في ثنايا قصائد الديوان ، كما أنه قد يثير أكثر من مضمون في آن واحد ، فالرمز الديني مثلاً قد يتخذ توظيفه بالإضافة إلى بعده الديني بعداً أسطورياً ، والشخصية التاريخية ذات البعد الواقعي قد تتجلى ببعد أسطوري أيضاً .. وهكذا الحال بالنسبة لباقي العناصر ، الأمر الذي يجعلنا ننبه منذ البداية على أن تقسيم هذه التضمينات إلى أسطورية وتاريخية ودينية وأدبية وشعبية لا يعني إقامة الحدود الفاصلة التي تحول دون التداخل الذي قد تحدثه رموزها وأشكال توظيفها ، بل هو فصل تنظيمي يجمع بين الأشباه ويربطها بعقال الموضوعية الدالة .
تضمين الأسطورة :
تعد الأسطورة في ديوان "متى تُرك القطا" من أهم وسائل إنتاج الدلالة حيث استفاد السبعاوي من دلالاتها الخصبة والمتنوعة ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وقد تنوع توظيفه لها حسب المقام ما بين الإشارة والإلماح وإطلاق العنان لخيال المتلقي ليبحث في أوجه الدلالة ويستنتج الرموز التي تتماهى مع تجربة الشاعر وجو القصيدة النفسي ، وبين التوظيف الفعال الذي يتجاوز الدلالة الإشارية إلى الاستغراق الكامل ، والاتكاء على دلالات الأسطورة وتحويل رموزها إلى وسائط فنية تبوح بما يصطرع في عقله ووجدانه من أفكار وأحاسيس ، فمن أمثلة النمط الأول قوله () :
دبشليمُ في سريره .. والنطعُ والسيافُ ..
والوشاةُ اجترحوا المكيدهْ
مُدِّي ليَّ الجديلةَ التي تصعدُ بي
إلى سمائِك البعيدهْ
الحبُّ كان زلَّتي ..
الحبُّ آيتي الوحيدهْ
يرتكز الشاعر في النص السابق على ثلاثة أساطير لإنتاج الدلالة التي يريد ، الأولى نراها في صورة دبشليم الملك الهندي الجالس على سرير الحكم ، والثانية نتمثلها في صورة السياف إلى جانبه النطع المفروش كي يقف فوقه المحكوم عليه بالموت ، والثالثة في صورة الأميرة التي تمد جديلتها ليتمكن الحبيب من الصعود إليها .
وقد تمازجت دلالات الأساطير الثلاثة ؛ الهندية التي تجسد الظلم والبطش وكيفية مواجهته بالحكمة ـ حكمة بيدباالفيلسوف ـ ، والعربية القديمة التي تشير إلى مكر ودهاء الزباء التي استدرجت قاتل أبيها وفتكت به () ، وقصة الأميرة العاشقة التي سجنها المماليك في سجن القلعة فصبرت على الأذى حتى طال شعرها واستطاعت أن تمد جديلتها لعشيقها كي يتسلق سور القلعة ويصل إليها ويحررها .
وتتماهى دلالات هذه الأساطير الثلاثة مجتمعة مع الواقع السياسي الفلسطيني لتشير إلى سبل الخلاص من جبروت المحتل وظلمه ، التي تتمثل في الحكمة والحيلة والإخلاص في الحب لأنه طوق النجاة الوحيد .
ومن أمثلة النمط الأول ـ أيضاً ـ الذي ترد فيه الأسطورة بطريقة عرضية للتعبير عن رؤية الشاعر وموقفه الخاص من الواقع قوله () :
- كان لي أخوةٌ ورموني في الجُبّ
فاحتملتني لمصر القوافلْ
آه يا مصرُ
هل كنت عهداً من الحبّ
أم كنت حلماً مخاتلْ
وأين التي علمتني الأناشيد في ليلة العيد ؟
- هاهمْ يزُفُّونَ عذراءَ للنيل كي ما يفيضْ
ونيليَ أنتَ
شُقَّني ضفتين ودِلتا
وتدفقْ عليَّ بموجك ..
حتى ألامس روحَ الفصول ..
وتأخذُ دورتَها في دمائي حياةً وموتا
حياةً وموتا
وسبعاً سماناً وسبعاً عجافْ
توالَيْنَ من أولِ العمرِ حتى نهايتِهِ
آه يا مصرُ إني أخافْ
عليك .. وإني أخافْ
عليَّ .. وإني أخافْ
لماذا تنامُ النواطيرُ حين تقومُ الثعالبُ من نومها ؟
والعناقيدُ دانيةٌ للقطافْ
لقد تضافرت في النص السابق دلالات الرمز الديني والتاريخي والشعبي لتوضيح أبعاد الأسطورة ودلالاتها الإشارية التي تعكس ما يصطرع في عقل الشاعر ووجدانه من الأفكار والأحاسيس التي لم يتمكن من البوح بها صراحة ، فاستحضر قصة يوسف عليه السلام ليشير إلى جذور العلاقة بين مصر وفلسطين ، ثم دلل على صدق هذه العلاقة وقوة أواصرها من خلال الإلماح إلى ثورة الثالث والعشرين من يوليو ـ "أين التي علمتني الأناشيد في ليلة العيد"() ـ التي تُعد بداية مرحلة المدّ القومي ، متسائلاً باستهجان عن غياب مبادئ تلك الثورة وروح القومية العربية .
ثم نجد الإجابة على سؤاله ببعث الأسطورة المصرية القديمة ، أسطورة عروس النيل الذي وصفه القدماء المصريون بأنه "رب الرزق الوفير" ؛ وأنه "والد الأرباب" وقدموا له أجمل فتيات مصر قرباناً لكي يفيض () ، حيث تبوح الأسطورة بما يعتمل في صدره من دلالات تتماهى مع رؤيته للواقع السياسي وتعويل العرب على أمريكا والغرب ، فأمريكا ودول الغرب حلت محل النيل ، والشعب الفلسطيني حل محل العروس التي تقدم له قرباناً ، لذلك نراه يرفض هذا الواقع بقوله :
ونيليَ أنتَ
شُقَّني ضفتين ودلتا
وتدفقْ عليَّ بموجكَ ..
حتى ألامسَ روحَ الفصولِ ..
ليقرر أن الخير ـ النيل وفيضانه ـ لا يأتي من أمريكا والغرب بل من الإنسان العربي ، لأنه هو العطاء الحقيقي ، ثم يتبع ذلك بالتحذير من التمادي في الاستبشار بأمريكا والغرب ؛ قارناً مصير فلسطين بمصير مصر إذا حلّ بها مكروه ، "إني أخاف عليك .. إني أخاف عليَّ"، ويرمز إلى قادة أمريكا والغرب بالثعالب وإلى حراس الحلم العربي بالنواطير ، وذلك من خلال تضمينه لقول المتنبي في هجاء كافور ():
نامَتْ نَواطيرُ مِصر عنْ ثَعالِبِها فَقَدْ بَشِمْنَ() وما تَفنَى العَناقيدُ
ومن أمثلة الإشارة العرضية إلى مضامين الأساطير ـ أيضاً ـ نذكر قول الشاعر ():
يتشنجُ عضو الكنيست
وهو عقيمٌ وزوجتُه عاقرْ
لم يخلّفْ سواها أبوها
عندي الحل :
فليوقف العربُ النسل
أو فلنعقمهم واحدا واحدا
يا لشرّ البلية ..
كيف تموتُ إذاً وهي عنقاءُ
تولدُ ثانية كلما قتلوها
حيث يبعث في ذكره أسطورة العنقاء معاني التجدد والانبعاث التي تعكس يأس الاحتلال من القضاء على الشعب الفلسطيني ، كما تؤكد صمود هذا الشعب واستمراريته رغم كثرة الشهـداء .
أما صور النمط الثاني من أنماط توظيف الأسطورة ورموزها فنتمثله في مثل قول الشاعر في قصيدته الموسومة بـ "النداهة" ():
حوريةٌ من الزبدْ
نورسةٌ يشعلُ دفؤُها الجسدْ
أضُمُّها فتختفي
وأقتفي ..
ضحكتها إلى الأبدْ
تقولُ حينما تَرِقُّ لي
- هَرِمت يا ولدْ
ولم تزلْ في أثري ..
من بلدٍ إلى بلدْ
لا يجد الشاعر أقوى من اسم الأسطورة ـ النداهة ـ ليعبر عن غربة الفلسطيني القهرية ويكثف دلالات تجربته الخاصة التي تتماهى مع تجارب السواد الأعظم من أبناء جلدته ، ولكي يحفز وعي المتلقي ويستثير خبرته وثقافته ليكتشف التيارات الدلالية والطاقات الإيحائية التي تبشر بجوانب الإبداع المضموني .
النداهة أسطورة عربية تتحدث عن حورية من الجن الشرير تسكن النهر ، تظهر للشباب وتغويهم بزينتها وجمالها ، فيتبعونها ويهلكون غرقاً في النهر () .
وقد تحللت رؤية الشاعر وخلاصة تجربته وموقفه من الغربة في هذه القصيدة التي تكثف معاناة الفلسطيني الذي يمضي عمره وهو يلهث وراء الاستقرار النفسي والجسدي .
إلى غير ذلك من شواهد توظيف الرموز الأسطورية التي سنقف عليها عند الحديث عن المضامين التاريخية والشعبية والدينية والأدبية .. وذلك منعاً للإطالة والتكرار حيث تمتزج الأسطورة غالباً مع الوقائع التاريخية والحقائق الدينية والخرافات والقصص الشعبية والرموز الأدبية ..
2 – التضمين التاريخي والتاريخسطوري :
اتكأ الشاعر عبد الكريم السبعاوي على الشخصيات والأحداث التاريخية في تشكيل الأبعاد الدلالية لشعره ، حيث اتخذ من صفات الشخصيات وما اشتهرت به عبر التاريخ رموزاّ ، ومن الأحداث التاريخية الهامة مفسراً لموقفه ورأيه في الواقع المعيش ، دون أن يفرق في هذا بين العودة لأحداث التاريخ وبين العودة للتاريخسطورة ، أو صنع تاريخسطورة من الحدث التاريخي ؛ حيث يمزج بين الواقع التاريخي والأحداث والشخصيات ذات السمات الأسطورية ، ودون أن يتقيد بسرد الحدث التاريخي كما وقع أو التاريخسطورة كما تروى ؛ بل قد حذف منها عناصر و أضاف عناصر جديدة تنسجم مع العناصر القديمة وأعاد تركيبها بشكل جديد لتعمق المغزى القديم أو تعبر عن مغزى جديد يتناسب ورأيه في الواقع المعيش .
وقد وردت عناصر التراث التاريخي والتاريخسطوري بنفس النهج الذي نلاحظه في توظيف جميع العناصر التراثية ، سواء عن الطريق الإلماح والإشارة من خلال التشبيه أو التضمين والاقتباس، أو بطريق الاستغراق الكامل والتوظيف الفني الفعال ، الذي يستثير الماضي ويذكر به ويحث على استخلاص العبر منه ، وهو في ذلك يبوح بتجربته وموقفه من خلال الرموز والدلالات التي ينطوي عليها ذلك الماضي .. وشواهد ذلك كثيرة في الديوان ، فمما يمثل الدلالة الإشارية قوله () :
لقد تعب الغُزاةُ ..
وما تعبت ..
ومن يعدُّ الموج ؟!
كأني ألبس ( القمباز)().. أدّبُكُ
في انحدار سفائن الإفرنج
كأنكِ قَدْ جَدَعْتِ أنوفَ أولَ فوجْ
من التتارْ
يشير الشاعر في هذا النص إلى الحملات الصليبية المتعاقبة ـ 489هـ / 1096م حتى 692هـ / 1294م ـ على فلسطين وكيف انهزمت في نهاية الأمر ، كما يشير إلى ما فعله الأمير بيبرس البندقداري حينما أرسله السلطان قطز في مقدمة الجيش إلى غزة لاستطلاع أمر التتار ، وتمكنه من هزيمة التتار وطردهم منها سنة 658هـ / 1259م () .
والشاعر في هاتين الإشارتين التاريخيتين يسعى إلى إشاعة روح التفاؤل والأمل في النفوس المنهكة ، ويبشرها بعد طول صمود وعناء بانحدار الاحتلال الإسرائيلي .
كذلك نراه يبعث كافور الإخشيدي من الماضي البعيد ليذكرنا بما اشتهر من صفاته كي نستخلص العبر فيقول ():
على العرش كافور
والنيل خارت قوائمه وتهالك
ملتحفاً بالحصى والصخور
والأرضُ جرداءُ بورْ
وأنت تحدث عن شهوات الرياح اللواقح
عن رجفة تعتري رحم الأرض
عند انشطار النوى والبذور
على العرش كافور
وأنت تحدثُ عمن سيأتي
إنها إشارة عرضية واعية تمزج بين الرمز التاريخي والرمز الأدبي لتنشر الصفات التي خلدها المتنبي لشخصية هذا الحاكم الذي يرمز لكل حاكم متخلف أهوج ، ولعل شاعرنا لجأ لهذا الرمز لضرورة تجنبه بطش السلطان ، فهو يرى أن الحاكم اليوم هو كافور .
وفي إشارة عرضية إلى هجوم أبرهة الحبشي على مكة واعتزامه هدم الكعبة ، يبعث الشاعر من طيات التاريخ مقولة عبد المطلب بن هاشم لأبرهة الحبشي حينما استولى على إبله :" أنا رب الإبل ، وإن للبيت رباً سيمنعه "(1) ، ويقول () :
ما آن أن أخلو إلى نفسي
أعودُ إلى الذي قد كنته
قبل اندلاع الشيب في فوديّ
أهتفُ : للمدينة ربُها .. وأسوق إبلي
إنه يتمنى أن يستطيع العودة إلى حياته الاعتيادية قبل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ، ولكن هيهات ، إنه لا يستطيع التخلي ، مبرراً ذلك بمزيج من الإشارات الأسطورية والدينية والأدبية والتاريخية المعاصرة التي تعكس مجتمعة معاناة الشاعر ، ويأسه من الحصول على عون الأخوة العرب لتحرير القدس ، فهم يحتربون فيما بينهم في الخليج ويستعينون بأمثال أبرهة الحبشي () :
لكأنها إرم العماد
تدور في السبع الشداد
وكأنني المجنون تختلط الجهات عليّ
هل بانتْ سعادْ
أم أنها ذُبحت بساح المسجد الأقصى ؟
وتحتشد البوارجُ في الخليج لأن حييْ وائل اقتتلا
وتلتحق البسوس بقيصر
والرومُ تربطُ خيلها في السدر والنخل
حيث يشبه فلسطين بمدينة " إرم ذات العماد " فيبعث الرمز الديني أولاً "التي لم يخلق مثلها في البلاد"() ، ثم يبعث الأسطورة حين يقول :" تدور في السبع الشداد "()، مدللاً على يأسه من تحريرها لذلك شبه نفسه بمجنون ليلى حيث اختلطت عليه الجهات كما اختلطت على مجنون ليلى ، فهو يبحث عن فلسطين كما يبحث المجنون عن ليلى ، وتتمازج الرموز لتوهم بالتداخل والاضطراب ، فنراه يسأل عن سعاد صاحبة كعب بن زهير المذكورة في مقام مدح النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ليصل بحيرته إلى منتهاها ، هل ارتحلت المحبوبة أم قتلت ؟ ويتركنا في بحر الحيرة نتأمل حال سعاد الفلسطينية التي انشغل العرب عن البحث في مصيرها بحربهم في الخليج واستعانتهم بأعداء الأمة ملمحاً إلى قول المتنبي ():
لَو تَحَرَّفتَ عن طريقِِ الأعادي رَبَطَ السِدرُ خَيلَهُمْ و النخيلُ()
ليصل من خلال إشاراته العديدة المتداخلة إلى الدلالة التي يسعى إلى البوح بها والموقف والرؤية الذاتية في الواقع السياسي العربي ، إلى غير ذلك من الإشارات العرضية والإلماحات التاريخية السريعة التي نراها بين ثنايا قصائده ، والتي تسعى لربط الحاضر بالماضي في محاولة لتفسيره ، وتحث على استخلاص العبر والإفادة من تجارب الأجداد () .
أما تحلل الرمز التاريخي وبناء قصائد كاملة على دلالات هذا الرمز لتبوح بما قد يعجز الشاعر عن البوح به صراحة فنجدها في العديد من القصائد ، فقصيدته الموسومة بِـ "من أوراق عبد الرحمن الخارج" تمثل هذا النمط ، حيث يعكس عنوانها غاية الشاعر من استدعاء هذه الشخصية من إطارها التاريخي ، وإعادة صياغة ملامحها للتعبير عن رؤيته وتجربته ، فعبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية في الأندلس ، دخل إلى أرض غير عربية وألحقها بأرض الوطن ، أما عبد الرحمن الخارج فهو شاعرنا الذي يعد رمزاً لكل فلسطيني ترك وطنه قسراً وخرج إلى أرض بعيدة يستحيل إلحاقها بالوطن ، وهنا تتقاطع الدلالة الناتجة عن تقابل الخارج مع الداخل للتدليل على عجز الإنسان الفرد في مواجهة مصيره المحتوم ، كما تشي بدلالات رحلة الشاعر الحياتية بعيداً عن وطنه في مواجهة هذا المصير المحتوم وتمسكه بعروبته وتراثه ووطنه ، هذا هو أحد وجوه التشابه بين عبد الرحمن الداخل الرمز التاريخي ، وعبد الرحمن الخارج الرمز الفلسطيني ، إنه تشابه التجربة من حيث الغربة والوفاء للموروث والالتزام بالوطن ، وتقاطعات الدلالة بين التاريخي والواقعي نلتمس صورها في مثل قوله ():
مسلماً خطواتي للتيهِ
أوغلُ ..
يبكي رفيقي حين يرى الدربَ
لا نطلب الآن ملكاً
ولكن بقيةَ عمرٍ هزيلْ
ظبيةٌ تلك ..
أم لقمة العيش
تركضني خلفها ..
وورائي زغب الحواصل
واسعةٌ هذه الأرض
مزهوةٌ بالمساخر والطيشْ
أين سألقى رحالي
أنا الأموي المهاجر
ملبورنُ() ليست طليطلةً
وأنا لستُ صقر قريشْ
إن عبد الرحمن الداخل كان يطلب ملكاً ووطناً يضيفه للوطن ، أما عبد الرحمن الخارج فيبحث عن لقمة العيش فقط ، عبد الرحمن الداخل لم تراوده أحلام العودة لأنه أنشأ وطنه وعاش في ربوع ، أما عبد الرحمن الخارج فالوطن البديل أو المنفى القسري هو نقيض الوطن الذي يصعب عليه الانصهار فيه():
كيف سأعتاد وجهي البديل
وكيف سأعتادُ بُعدك
إني أفتقدتُك عند الصباح
وإني أفتقدتُك عند المساء
وإني أفتقدتُك طيلة هذا النهارِ الطويلْ
إنه يحلم بالعودة إلى ربوع الوطن ويبين شروط العودة الميمونة ، التي يراها في عودة زمن العزة والكرامة العربية ، زمن الوحدة وزوال الحواجز والحدود بين الأشقاء العرب ():
وقال صحابي : الفرارُ أم الأسر ؟!
قلت الفرار .. وصبرٌ جميلْ
إلى أن يعود الزمانُ
كهيئتهِ عندَ خلقِ السمواتِ والأرض
يفرخُ صقركِ بيضته في رمادِ الجليلْ
تصبين دجلة في النيلْ
يطرح نخلُ الخليج على قمم الأطلسي
ينوّرُ زيتونُ تونس في سفح أربيلْ
تنبع زمزم من صخرةٍ في الخليلْ
ولم ينس في خضم ذلك أن يذكرنا بقول أبي فراس الحمداني حينما وقع في أسر الروم():
وقال أُصَيحابي الفِرارُ أو الرَدى فقلتُ هما أَمرانِ أحلاهُما مُرُّ
وإن اختلف مع أبي فراس الحمداني الذي اختار القتال على الفرار حتى وقع في أسر الروم ، أما شاعرنا فقد اختار الفرار المؤقت حتى يعود الزمان العربي إلى سابق عهده لأن البطولة الفردية محكوم عليها بالفشل مهما كان حجمها .
ومن الرموز التاريخية الإنسانية ذات الدلالات العميقة التي تفسر رؤية الشاعر وموقفه من أسلوب تعامل القوى الغربية مع القضية الفلسطينية قصيدته المعنونة بـ "وولسنج ماتيلدا" هذا العنوان الذي يشير إلى أول امرأة بيضاء نفتها حكومة بريطانيا إلى أستراليا ، والتي تحولت في منفاها رمزاً للتآخي والمحبة والرحمة ().
يفرغ السبعاوي من خلال تفاعله مع هذا الرمز التاريخي ما في جعبته تجاه الغرب ممثلاً في بريطانيا التي هي سبب نكبة فلسطين ، فيرى أن جريمة "ماتيلدا " لا تقارن البتة بالجرائم التي اقترفتها الحكومة البريطانية ممثلة في الملكة " فكتوريا " ، قد تكون ماتيلدا سرقت مالا يستحق الذكر، ولكن فكتوريا سرقت بلاداً ، ونهبت شعوباً ، وسفكت دماء الأبريـاء ، ومع ذلك فقد أصبحت رمزاً للمجد والعظمة البريطانية () ، إنها المفارقة العجيبة كما يصورها الشاعر ():
هل سرقت شلناً فنفوها إلى آخر الأرض ؟
فكتوريا سرقتْ أمماً وسبت قاراتْ
سلبت فرحة الأمهاتْ
توجوها على السودِ والصفرِ
والجائعين العراةْ
لتكن فكتوريا ملكةً ..
ولكن ستبقين أنت ماتيدا
مليكة روحي
لقد توحد الشاعر وماتيلدا ، فالمعاناة واحدة ، كلاهما اقتلع من وطنه ، كما أن جلادهما واحد ، ومع ذلك فإنه يرفض أن يتأقلم مع الواقع الجديد وأن يستسلم للمصير الذي استسلمت له ماتيلدا التي ماتت في منفاها ():
تعانقني وتغمغم يا للصبيِّ
كلانا اقْتُلِعنا من الأرضِ
من وطن نعبده
الذراع التي طوَّحتْ بكَ قد طوحت بي
هتفتُ : ولكنني عربي
من بلاد النبي
ويأبى علىّ الحياءُ
وتأبى عمامة جدِّي
وتقوى أبي
إنه يعبر عن المراودة المستمرة بين الفلسطيني وأماكن تشرده المختلفة ، كل مكان يراوده على البقاء والانخراط فيه ، ولكنه لا يستطيع أن ينسى وطنه وتراث أجداده ، وأن يعطي نفسه لأي مكان آخر مهما كثرت المغريات .
3- المضمون الديني :
يعد النص القرآني مصدراً هاماً من مصادر التعبير الشعري و تكثيف الدلالة وإثرائها بالرموز الخصبة في شعر السبعاوي ، إذ يلاحظ أن السبعاوي قد استثمر ثقافته الدينية بشتى الطرق التي تناسب تجربته ورؤيته ، فنوع بين استلهام بعض المعاني القرآنية ، واقتباس بعض النصوص ، والإيحاء أو الإشارة مستغلاً الطاقة التعبيرية للفظ القرآني . كما أنه لم يغفل التوراة أو الإنجيل في إشاراته وتضميناته .
ورغم ما لاحظناه من ميل السبعاوي إلى الاتكاء على إشعاعات اللفظة القرآنية ، والاكتفاء غالباً ـ بالتلميح أو التضمين اللفظي ، إلا أننا لاحظنا أيضاً أن مجموع التلميحات والتضمينات المستمدة من قصة يوسف عليه السلام تكاد تشي بتحلل تلك القصة في نصوص الديوان ، وفي ظني أن تبرير ذلك يعود لماهية رموز ودلالات هذه القصة القرآنية التي تفسر معاناة الشعب الفلسطيني وتبوح بموقف الشاعر ورؤيته ، وشواهد ذلك كثيرة نذكر منها قوله() :
كان لي أخوة ورموني في الجُبّ ()
فاحتملتني لمصر القوافل
الذي يلمح فيه إلى موقف بعض الأشقاء العرب السلبي تجاه القضية الفلسطينية ، ويقابل ذلك بموقف مصر التي احتضنت يوسف عليه السلام بعد طول معاناة ، وعبر بها ومعها من عنق الزجاجة وتجاوز الأزمات حيث يوضح ذلك في قوله في موضع آخر() :
وسبعاً سماناً وسبعاً عجاف
توالين من أول العمر حتى نهايته
مشيراً إلى قوله الله عز وجل : "يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ "()، إنه يمتح من معين دلالات هذا الاقتباس القرآني ما يتماهى مع حال القضية الفلسطينية وما تمر به من انكسارات وانتصارات ، كما يشيع روح الأمل من خلال أبعاد هذه القصة ونهايتها السعيدة .
ومن ذلك قوله في قصيدة "الرياح اللواقح" المهداة للشاعر الراحل صلاح عبد الصبور() :
وكنت هممت بها حين همّتْ
وفرق بينكما عاصفٌ من دماءْ
عيونُ الخليفة ساهرةٌ
وجنودُ الخليفة ...
دفنوا ألف وضاح تحت السرير
وما غادرَ الشعراءْ
.. .. .. ..
والأميرة في قبضة الأخطبوطْ
يحفُ بها الجنرالاتُ والسفراءُ الأجانبُ والأرنؤوط
حيث يعتمد الدلالات الإيحائية للفظ " هَمَّ " الوارد في قوله تعالى : " وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا.."()، . ليشير إلى تطور العلاقة بين صلاح عبد الصبور ـ رمز المبدع ـ وأميرته المعشوقة ـ مصر ـ ، فكأني به يشير إلى مرحلة المد الفكري التي سادت مصر قبل هزيمة حزيران 1967 يؤكد ذلك قوله : " وفرق بينكما عاصف من دماء " الذي يشير إلى الهزيمة التي أعادت العسكر إلى الصدارة بعد أن همت مصر أن تضع المبدعين في هذه المنزلة . وكعادة الشاعر في تصيد رموزه من مصادرها المختلفة ، نراه يبعث الرمز الأدبي " وضاح اليمن " ليؤازر الرمز الديني والتاريخي في استكمال الرؤية التي يريد توصيلها للملتقي ، حيث يعود بنا إلى الشاعر عبد الرحمن بن إسماعيل الملقب وضاح اليمن الذي يرمز إلى جمال الطلعة وفصاحة اللسان ، ويرينا كيف كانت نهايته على يد الخليفة الوليد بن عبد الملك ()، ثم يشير إلى قول عنترة العبسي () :
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
ليؤكد استمرارية المحاولة – وما غادر الشعراء - ، وإصرار الشعراء على الوقوف في طريق الأميرة - الوطن - ومناغاتها من وراء ظهر الحكام ، وقد ساعد على توضيح هذه الدلالة انبعاث شخصية عنترة بما تحمله من رموز القوة والثبات التي تؤكد عدم الاستسلام لإدارة السلطان .
إلى غير ذلك من تضمينات أو إشارات أو استلهامات لبعض ألفاظ ومعاني سورة يوسف المتناثرة في ثنايا قصائد الديوان () .
أما خارج نطاق سورة يوسف فتتنوع الإشارات والاقتباسات التي تتناسب وتجربة الشاعر وما يريد البوح به ، فقوله ():
لإيلاف القريشيين كان الصيفُ يدّخرُ الغمامْ
وكنت أرتقبُ القوافل في تخوم الشام
يشير الشاعر إلى مكانة فلسطين التاريخية التجارية التي يجسدها ذكر رحلة الصيف التي كانت تقوم بها قريش " لإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ "()، وما تنطوي عليه دلالات تلك الرحلة من معاني الأمان والرخاء ، وكذلك قوله () :
لإيلاف غزة إيلافها
وللعبشميات ايلافها
أتتها القوافل من مطلع النور
تنثر في الأرض حناءها
تبوأها هاشم .. والغطاريف
ألقوا الرحال على بابها
كأن من الطيب هذا الثرى
ومن كوثر الله سلسالها
وحين رمتها خطوب الزمان
اجترح النصر أطفالها
فيالانتفاضتهم حين لبوا النداء
وزلزلت الأرضُ زلزالها
يماثل الشاعر بين العودة للوطن وما يحيط بها من مشاعر البهجة ، وبهجة قوافل قريش بما كانت تجنيه من رحلتها إلى الشام ، ثم يوازن بين ما كانت تنعم به فلسطين من رخاء وأمان ، وما أوصلتها إليه الخطوب ، ثم يستثمر الاقتباس القرآني " إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا "() ليضفي طابعاً من القدسية على الانتفاضة الفلسطينية ، ويعبر عن قوة إرادة أطفال الحجارة الذين قهروا الاحتلال . ومن إلماحاته وإشاراته السريعة أو العَرَضية لبعض الاقتباسات القرآنية قوله () :
وينحسر الزمن العربيُّ الجميل
أهز جذوع النخيل
فيشيح بخضرته عن دمى
مسلماً خطواتي للتيهِ
حيث يبعث دلالات المعجزة التي حدثت لمريم العذراء "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا "()، وأبت الحدوث للشاعر ، الأمر الذي أسلمه للتيه ، تيه بني إسرائيل الذي يتماهى مع تيه الشاعر في بلاد الغربة أربعين عاماً .وكذلك قوله () :
وما قتلوه .. وما صلبوهُ
ولكنهم ألزموه بأعناقهمْ
صارماً ليس ينبو
اقتباس لقول الله عز وجل في عيسى بن مريم عليه السلام : " وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ " () . وقوله () :
وحين يجوع صغارك في الليل
تمتدُّ أيديهمُ اللدناتُ إلى طوق صدرك
أو من خلال ثقوب الرصاص
فلا تسألي .. أيهم يرضعُ الثدى
أو يرضعُ الجرح
بل أطلقيهمْ طيوراً أبابيلْ
يقصفون العدوّ المدجج خلف السرابيلْ
بالحجار السجاجيلْ
كل سجيلة في المقاتل
كل سجيلة من ذراع صبي مُقاتل
تقول له الأم
جف على فمك الثدىُ
فارضع حليب الزلازل
وإما سقطت على الأرض
فانهض وقاتل
وانهض وقاتل
وانهض وقاتل
الذي تحلل فيه الرمز الديني المستمد من سورة الفيل ليعبر عن رؤية الشاعر للانتفاضة ، ويصور بطولة أطفال الحجارة الذين يستعصون على الموت بتجددهم وانبعاثهم كالعنقاء
إنهم الطيور الأبابيل الذين يقصفون العدو بحجارة من سجيل ، إن تمجيده لهم ورأيه في بطولتهم بلغ حد القداسة حيث أنزلهم منزلة طيور الأبابيل التي قصفت فيلة أبرهة الحبشي وجنوده بحجارة من سجيل .
إلى غير ذلك من الإشارات والاقتباسات القرآنية ذات الدلالات الخصبة التي لا يتسع المقام لحصرها () .
أما الرموز الدينية الأخرى ، المستمدة من التوراة والإنجيل ، فقد استلهم الشاعر ما يتناسب منها مع تجربته وموقفه ، لذلك كثرت إشاراته إلى حياة عيسى ابن مريم عليه السلام لأنها تنطوي على الكثير من الدلالات التي تصور معاناة الشعب الفلسطيني ، وأمثلة ذلك كثيرة نذكر منها قوله ():
وكم مرة ستروح سنةْ
وتجئ سنة ؟؟
وكم مرة سوف تُقرعُ أجراس بيت لحم
يولد طفلٌ و يصلب
بين يدي أمه المثخنة ؟؟
وكم مرة تسقط القدسُ
يرتفع الدمُ حتى يغطي الكنيسة والمئذنة ؟؟
أتممتُ في التيه يا وطني أربعين سنة
هرمت وما زلت أصعدُ جلجلتي
ساحباً نحو أرضك خطواتي الموهنة
يعتمد الشاعر في تصوير معاناة أطفال فلسطين على بعث قصة معاناة المسيح عليه السلام على أيدي اليهود ، وما يهيجه ذكر الجلجلة() في النفوس من معاني القهر والعذاب ، فهي المكان الذي كان يقتل فيه المحكوم عليهم بالموت ، والذي يعتقد المسيحيون أن المسيح عليه السلام صلب ومات فيه () ، ويستغرق الشاعر في تصوير معاناة الشعب الفلسطيني فيشير إلى المذابح التي ارتكبها الصليبيون في فلسطين ، وينتهي بذكر شتات الفلسطينيين في المنافي من خلال الإشارة إلى تيه بني إسرائيل .
ويؤكد الشاعر تماهي معاناة الشعب الفلسطيني مع معاناة المسيح عليه السلام فيقول في قصيدته الموسومة بـِ " الرسول " ():
أنا ملك الملوك
عرشي التراب
تاجي الشوك
شارتي المسمارُ في كفيّ
أما التضمينات التوراتية فبالإضافة إلى ما لاحظناه من تكرار الإشارة إلى تيه بني إسرائيل ، نذكر إشارته المثخنة بالدلالة إلى شمشون في قوله () :
كأنك قد جززت غدائر الجبار
(هل ترك الغزاةُ سوى جماجمهم )؟
فردي الباب
وابتسمي .. ينورُ برتقال المرج
يحل الزيت في الزيتون
تزدادُ السنابل وَهْج
ويعتدل الفلسطيني فوق السرج
يبعث الشاعر في وجدان المتلقي قصة شمشون الإسرائيلي قاطع الطريق الذي كان يعتدي على أموال الفلسطينيين وأرواحهم ، ونهايته في غزة على يد دليلة الفلسطينية التي جردته من قوته ومكنت شعبها من القضاء عليه() ، حيث أسقط الشاعر دلالات هذه القصة التوراتية على منجزات الانتفاضة التي قابل أهلها العُزّل المحتل الإسرائيلي المدجج بالسلاح ، و استطاعوا تقليم أظافره وإفقاده سر قوته .
4- تضمين التراث الشعبي :
تتجلى القصص والحكايات والأغاني والأمثال والملاحم الشعبية في ثنايا قصائد الديوان وبعض عنواناتها كمظهر من مظاهر توظيف التراث ، وكمرتكز من مرتكزات الشاعر التراثية التي اعتمدها وسائط لتنشيط الأفكار ونقل الأحاسيس تجاه الواقع الفلسطيني وما يكتنفه من مشاكل وأزمات ، فهو يشير إلى مضمون هذه العناصر التراثية أو مغزاها ؛ أو يستعير أسماء بعض شخصياتها ، ثم يعيد صياغة حكايته الخاصة من هذه العناصر ليعبر بجرأة وقصد عن تصوراته عن الواقع الفلسطيني وموقفه منه . وأمثلة ذلك في الديوان عديدة ، فمما يمثل القصص والحكايات الشعبية نذكر القصيدة الموسومة بـ "ليلى والذئب" التي استعارت عنوان حكاية من أشهر الحكايات الشعبية وأكثرها انتشاراً بين الشعوب ، حكاية الذئب الذي التهم جدة ليلى ثم لبس ملابسها ليخدع الحفيدة ويوهمها بأنه الجدة حتى يتمكن من التهامها أيضاً () ، وقد اختار الشاعر جزءاً من الحوار الذي دار في الحكاية بين الحفيدة والذئب وضمنه بلفظه ومعناه في قصيدته فقال ():
غزة تنهض كالحلم .. كالذكرياتْ
تئز الشراراتُ في موقد وتطير الحكاياتْ
" ليلى تحب الفراشاتْ ..
تجمع إكليل ورد لجدتها ويسابقها الذئبْ
ـ يا جدتي فيما عيناك .. أذناك .. فكاك ؟!
ملعونةٌ أنتِ قد نبتتْ في يديك المخالبْ
تصرخ ليلى "
تظلُّ عيونُ الصغار مسهدة للصباحْ
وتغفو عيونُ الثعالبْ
يحاول الشاعر أن يشير من خلال تضمين اسم هذه الحكاية إلى مغزاها الأخير الذي يتماهى مع ممارسات الاحتلال ، قاصداً التحذير مما يقدم عليه الذئب الإسرائيلي من تغيير ملامح المدن والقرى الفلسطينية التي التهمها ؛ وطمس هويتها وغير أسمائها العربية بأخرى عبرية .
أما تصوير الحياة الشعبية الفلسطينية بأعيادها ومواسمها وأغانيها وعاداتها فنراه مضمناً في هذه اللوحة الفنية التي يسترجع فيها الشاعر مباهج حياته في ربوع الوطن قبل أن يشرده الاحتلال ، ويقابل ذلك بما يسمعه أو يقرأه عن ممارسات المحتل الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية ، يقول ():
لماذا تعودُ الرسائلُ مغلقة ليلة العيدْ
أسألُ ساعي البريد البريدْ
هلْ أغمضتْ جفنها في ليالي الحصارْ ؟!
هل خبزتْ للصغار
كعك أيوب ؟
هلْ زَوَّقَتْ بيضَ باب الدارومْ ؟!
هلْ زغردَتْ للخيول التي رمحتْ
في خميس أبو الكاس ؟!
قيل : دراويشُها ابتلعوا الشوك والنارْْ
وابتسموا في عناق السيوفْ
قيل : تنهض من نومها في القميص الشفوفْ
وحنّاؤُها .. دمُ أبنائها
يتوهجُ فوق الكفوفْ
تميلُ على نغمات الدفوفْ
( شعرِك طويل وخيلي وعذَّب البلاّنه )()
لقد اشتمل النص السابق على العديد من عناصر التراث الشعبي ، وبعث في الذاكرة طقوس الاحتفال في غزة بثلاثة أعياد أو مواسم سنوية ، هي موسم أيوب أو أربعاء أيوب ، الذي يحتفل فيه أهل فلسطين بصنع الكعك والاستحمام في البحر بغرض الاستشفاء تيمناً بالنبي أيوب عليه السلام () ، وخميس البيض أو موسم باب الداروم الذي كان يحتفل فيه أهل غزة بانتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في منطقة الداروم قرب غزة عام 573 هجرية() ، ويصادف عيد الفصح عند النصارى ، وفيه كان يباهي المسلمون النصارى باستعراض قوتهم ، ومثله موسم أبو الكاس أو خميس أبو الكاس ، الذي كانت تعقد فيه سباقات الخيل ، ويقدم فيه المتصوفة ـ الدراويش ـ بعض العروض التي تدلل على كراماتهم ، كابتلاع الشوك أو لعق النار .
وقد تقابلت رموز ودلالات هذه الأعياد الشعبية مع واقع الفلسطينيين زمن الانتفاضة لتعمق الإحساس بمرارة الواقع ، فرموز النصر على المرض() ، أو على الصليبيين ، تقابل شواهد الهزيمة من حصار ونفي وهدم بيوت وسفك دماء ، هذا بالإضافة إلى ما نراه من امتزاج وتداخل بين المشهد الجنائزي الذي يزف فيه الفلسطينيون شهداءهم ، ومشهد العروس ـ فلسطين ـ التي تحنت بدم الشهداء قبل أن تزف إلى عريسها على أنغام الأغنية الشعبية (شعرِك طويل وخيلي وعذَّب البلاّنه)، التي ضمنها الشاعر ليفيد من مغزاها الأخير ودلالتها على تواصل الكفاح ، إن هذا المشهد الذي يرمز إلى الثمن الباهظ الذي يدفعه الفلسطينيون مهراً لفلسطين يتكرر في غير موضع من قصائد الديوان ، من ذلك مثلاً ():
زغردي خلف نعش الشهيد
وعودي لكي تصنعي للعريس الوسادهْ
أما المثل الشعبي فقد احتل موقع الصدارة والاهتمام ، حيث اتخذه الشاعر عنواناً لديوانه ، ليشي بمضمون تجربته ويعبر عن أحاسيسه وأفكاره ، فعنوان الديوان "متى تُرك القطا" يبعث في وعي المتلقي ووجدانه المثل العربي القديم : "لو تُرك القطا لنام"() ،ويثير سحابة من الأفكار والمشاعر حول القطا الفلسطيني الذي لم ينعم بالراحة يوماً ، ولم يهدأ باله فيخلد للنوم ، ويبعث معاناة فلسطين منذ فجر التاريخ وهجمات الطامعين المتعاقبة ؛ وكفاح الشعب الفلسطيني الذي لم يعرف الأمن والطمأنينة . ويتشابك مع دلالة هذا المثل دلالة كل الأمثال التي اشتمل عليها الديوان ، وجميعها تتجانس في دلالاتها ورموزها مع مضمون الديوان السياسي ، من ذلك مثلاً تضمينه المثل القائل : "لا يفل الحديد إلا الحديد" في قوله():
خنساءُ ..
لا تبدأي في الرثاء
إلى أن يفل الحديدُ .. الحديدْ
ويصدقنا اللهُ موعدَهُ
ويعز عبادَهْ
وقوله معارضاً المثل القائل : "بلغ السيلُ الزُبى" وهو يتحدث عن صمود الأهل رغم كثرة التضحيات():
في كل شبر من ثراها ..
جدولٌ من دم الأهل ..
قد جرى .. ولم يبلغ الزبى
هي في خندق الرباط إلى القدس ..
ما كبا الجوادُ بها ..
ولا سيفُها نبا
ومما يمثّل توظيف السيّر والملاحم الشعبية نذكر قصيدته الموسومة بـ "العودة من وادي الغضا" التي يبعث عنوانها أحداث سيرة بني هلال ()، فوادي الغضا هو المكان الذي نفي فيه فارس بني هلال "دياب بن غانم" في العصر الفاطمي ، وعودته من ذلك المنفى ليقود قبيلته ويفتح تونس تتقابل مع عودة الشاعر إلى غزة بعد إبرام اتفاقية أوسلو ، إن شاعرنا يحاول أن يصنع أسطورة عودة الفلسطيني من المنفى من خلال الجمع بين المتقابلين لكي يتيح للمتلقي فرصة تفسير هذا التقابل ورموزه ، يقول() :
أعودُ بهم إلى بلدي
يداً بيدِ
وأسكنُهم خلايا الروح والجسدِ
وأعلم أنني سأموتُ حين أموتُ في لين الفراشِ
وأنهم يحْيون للأبد
ففيم إذا سُئلتُ اليومَ عنهم
خانني جَلَدي..
ونهنهني البكاءُ كأنّ آلافَ الثواكل
صِحْنَ يا ولدي
كأنّي قد رجعت لغزة وحدي
أحقاً عدتُ من منفاي
أبحثُ في ركام الدور والأنقاضِ عن أهلي
أغزة تلك ..
أمْ أضغاثُ أحلامٍ تُخَيَّلُ لي
إن دياب بن غانم بطل ملحمة بني هلال عاد من المنفى وقاد الفرسان وفتح تونس ، أما شاعرنا فقد عاد بأرواح الشهداء الذين سقطوا على طريق التحرير ليخلدهم في ضمير ووجدان الأمة ، وشتان بين العودتين ؛ عودة دياب المفعمة ببهجة النصر وعودة شاعرنا المفعمة بمشاعر الحزن والأسى على الذي ينبعث من سؤال الأهل عن أبنائهم ، كما ينبعث من مشاهد الدمار والخراب الذي أصاب غزة .
وقد تكررت إشارة الشاعر إلى الهلالية ، خاصة القسم المسمى "تغريبة بني هلال" ، لأنه يفصح عن سر اختياره عنوان "من يوميات البحر" لإحدى قصائده التي يصور فيها صنوف العذاب الذي يقاسيه الفلسطيني في غربته ، يقول() :
طارَ اليمامُ وحطَّ اليمامْ()
كيفَ أسلمني الحلمُ للحلم
واليومُ لليوم
والعامُ للعامْ
يونس في بحر تونس ..
ساقُ عزيزة مجدافُهُ
وضفائرُها قَلْعُهُ()
والمدى صبوةٌ واغتلامْ
إنه يشير إلى ما جاء في تغريبة بني هلال عن المنجمين الذين كانوا يبحثون عن يونس فيرونه "يخوض في بحر الدم في زورق من الذهب ، ومجدافه ساق صبية . وقد كانت عزيزة أخفته في مخدعها لكي لا يصل إليه أحد "() .ويهدف الشاعر من ذلك إلى تعميق الإحساس بمدى صمود الفلسطيني رغم ما يتعرض له من مخاطر وأهوال .
تضمين التراث الأدبي :
أشرنا فيما سبق من هذا البحث إلى العديد من التضمينات الأدبية التي رأينا عناصرها متشابكة مع باقي عناصر التراث ، وقد وقفنا على بعض التضمينات والإشارات التي استلهم فيها السبعاوي ما اشتهر من أبيات شعراء العربية أمثال المتنبي وأبي فراس الحمداني وعنترة العبسي ..().
ومما تجدر ملاحظته في هذا المقام أن مظاهر تعامل شاعرنا مع التراث الأدبي ورموزه قد تجلت من خلال الإشارات السريعة إلى بعض مشاهير شعراء العربية في عصور الأدب المختلفة ، معتمداً على ما اشتهر من رموز هذه الأسماء وصفاتها ، كأن يطالب الخنساء بعدم البكاء وهو يحرض على الثأر لدم الشهداء() ، أو أن يشبه نفسه بمجنون ليلى الذي اختلطت عليه الأمور وهو يبحث عن محبوبته ـ الوطن ـ () ، أو أن يذكر ليلى وقيس وهو يبرهن على صدق حبه وطهارته()..
كما تجلت مظاهر توظيف التراث الأدبي في كثرة التضمينات المنتشرة في الديوان ، سواء تضمين ألفاظ وتراكيب شعرية اشتهرت بها معاجم بعض الشعراء ، أو تضمين معاني ، أو معاني وألفاظ بعض الأبيات السيارة في الأدب العربي ، وأمثلة ذلك كثيرة نذكر منها قوله():
أُغادر عينيكِ متشحاً بغبار المعارك
متشحاً بالصهيلْ ..
أُنكّس رأسي فتنكرني الخيلُ والليلُ
ينكرني وجهُ أمي
وينحسر الزمن العربي الجميلْ
إن عطف الشاعر الليل على الخيل تضمين واضح لقول المتنبي() :
الخيلُ والليلُ والبَيداءُ تَعرِفُني والسَّيفُ والرُّمحُ والقِرْطاسُ والقلمُ
وقد أكد الشاعر على تعمده بعث هذا البيت وأجوائه النفسية حينما أشار إلى انحسار زمن المتنبي ، الزمن العربي الجميل ، زمن البطولة والكرامة . ومن أمثلة ذلك أيضاً قوله() :
ظبيةٌ تلك ..
أم لقمة العيشْ
تركضني خلفها
وورائي زغبُ الحواصل
الذي يضمنه ما اشتهر من تراكيب الحطيئة "زغب الحواصل" ويذكرنا بقوله():
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مَرَخٍ زُغبِ الحَوَاصلِ ، لا ماءٌ ولا شَجَرُ ؟
لكي يبعث الإحساس بالفقر والفاقة التي عاناها الفلسطيني ـ الشاعر ـ حينما أرغم على ترك وطنه ، إلى غير ذلك من تضمينات الألفاظ والتراكيب() ، أما تضمين المعاني فنذكر منه قوله():
يبكي رفيقي حين يرى الدربَ
لا نطلبُ الآن مُلكاً
ولكن بقيةَ عمرٍ هزيلْ
الذي يضمنه قول امرئ القيس():
بكى صاحِبي لمّا رَأى الدَربَ دونَهُ
فقُـلـتُ لَـهُ لا تَبـــكِ عَينُـــكَ إنَّمـــــــا وأيقَنَ أنَّا لاحِقانِ بقَيصَرا
نُحـاوِلُ مُلكــاً أو نَمـوت فَنُعــــــــذَرا
يعتمد السبعاوي على هذا التضمين في تصوير حجم معاناة الفلسطيني في غربته ، ويدلل على حقه في العيش الكريم من خلال معارضة امرئ القيس في الغاية ، فهو لا يطلب ملكاً مثل امرئ القيس .
أما تضمين الأبيات أو الأسطر الشعرية من مشاهير الشعراء القدماء والمحدثين في شعره فأمثلتها عديدة ، نذكر منها قوله():
(اختلاف النهار والليل ينسي)
غير أني بذلتُ في الحبّ نفسي
كيف أنسى وجه التي منذ غادرتُ
لم يغادرْ نحيبُها قرارة حسيّ
أهي أمي التي بكتْ ..
أم لداتي
أم عروسٌ ودعتني صبيحة عُرْسي
أم بلادي قد أجهشت وهي سبيٌ
لغاصبيها .. من كلّ لون وجنس
الذي يضمن فيه شطراً من مطلع قصيدة أحمد شوقي():
اختلافُ النَّهارِ والليل يُنسي اذكرا لي الصِّبا ، وأيامَ أُنسي
ومن ذلك تضمينه معنى قول دُريد بن الصمة():
وهَلْ أنَا إلاَّ مِنْ غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ غَويتُ وإنْ تَرشُدْ غَزِيَّةُ أرْشُدِ
الذي يستثمره السبعاوي في إظهار موقفه ورأيه الذي يتماهى مع رأي دُريد ومشورته التي لم يأخذ بها قومه ، وكان عليه أن يتحمل جريرة رأيهم ، يقول():
جُنّت غزيّةُ واستخفّتْ حين جُدْتُ لها بعقلي
ليرتكز على ما تثيره تلك القصيدة من معاني وأحاسيس في التعبير عن تجربته الخاصة ، التي تغاير تجربة شوقي بقدر ما تلتقي معها في التعبير عن حب الوطن والحنين إليه ، فحنين شوقي لمصر الحرة يهيج ذكرياته البهيجة ، ويسترجع معالمها النضرة ، أما حنين السبعاوي لفلسطين السبية فيبعث صوراً من معاناتها على أيدي الغاصبين ، فكأني بالسبعاوي قد اعتمد هذا المطلع وسيلة للبوح وتفجير الأفكار والأحاسيس ، لذلك نراه يعود لهذه القصيدة ثانية ليضمن منها قول شوقي :
وطني لو شُغِلتُ بالخلدِ عنه نازعتني إليه في الخُلد نفسي
ليجدد دفقته الشعورية ، ويؤكد حبه للوطن ؛ معتمداً على شهرة بيت شوقي ، فيقول():
(وطني لو شُغلتْ بالخلد عنهُ
نازعتْني إليه في الخُلد نفسي )
وطني وميراثُ آبائي وأجدادي
وعهدُ الصبا .. وأيامُ أُنسي
قبلتي حيثما كنتُ ظلت فلسطينُ
وظلت القدسُ نُسكي وقُدسي
ومن مأساة الحلاج للشاعر للشاعر صلاح عبد الصبور اقتبس السبعاوي ثلاثة أسطر شعرية نراها في قوله():
وقلت اتّبعني أعلمكَ
إني اتّبعتُكَ من مطلع الفجر حتى الزوالْ
(وكنتُ أحبُّ السؤالْ:
وكنتَ تحبُّ النوالْ
تقول : هو الحبُّ سرُّ النجاة .. تعشّقْ تفُزْ)()
تعشقت حتى الجنون .. وحتى الحُبوطْ
والأميرةُ في قبضة الأخطبوطْ
يحف بها الجنرالات والسفراءُ والأجانبُ والأرنؤوط
إنه يستثمر شهرة "مأساة الحلاج" ووضوح دلالاتها ومغزاها الأخير الذي يعبر عن موقف صلاح عبد الصبور من المثقف العربي الذي آثر السلامة ووقف موقف الحياد لينجو بنفسه من بطش السلطان ، ليشاركه الإحساس بخيبة الأمل في المثقفين الذين يقفون هذا الموقف .
وبعد .. فقد وظف السبعاوي جميع عناصر التراث ، وانتفع برموزه ودلالاته في التعبير عن تجربته وموقفه أيّما انتفاع ، وجاء توظيفه لتلك العناصر موزعاً بين الإشارة والإلماح والتضمين الجزئي ، وبين الاستغراق الكلي للقصيدة من أولها إلى آخرها ، وقد كان الهمّ السياسي وراء ذلك كله ؛ حيث رأينا الإسقاطات السياسية الغزيرة تمثل عمق دلالة قصائد الديوان .
وقد لاحظنا رجحان كفة اهتمامه بالتراث الإسلامي ، رغم عدم إغفاله التراث العربي والإنساني عامة ، كما لاحظنا اهتمامه بالتراث الفلسطيني وخاصة الغزي منه ، وكما هو معلوم فإن هذا الاهتمام يمثل اعتزاز الشاعر بالتراث الإسلامي والوطني ، وتبرير ذلك في ظني يمكن أن نلتمسه في ظروف نشأة السبعاوي وتكوينه الثقافي ، فاهتمامه بالتراث الإسلامي ينبع من نشأته الأسرية ، حيث كان أبوه يمتلك كُتَّابا لتحفيظ القرآن وتدريس علومه ، ومكتبة تعج بكتب التراث ؛ من سير وملاحم ودواوين شعرية وقصص البطولات العربية والإسلامية ، وقد انتفع شاعرنا بذلك كله ، ورأينا مظاهر ذلك جلية في ديوانه ().
أما اهتمامه بالتراث الفلسطيني الغزي فأظن أنه انعكاس لغربته ، وشعوره بفقد وطنه ، وحرمانه من العودة إليه ، الأمر الذي وضع وطنه وقضاياه السياسية في دائرة الاهتمام وبؤرة الشعور، في محاولة مشروعة لتعويض هذا الحرمان ؛ ورفض الواقع المعيش .
المصادر والمراجع
أبو زيد القرشي ، جمهرة أشعار العرب ، تحقيق ، على محمد البجاوي ، طبعة بيروت .
أبو شامة (شهاب الدين محمد)، الروضتين في أخبار الدولتين ، طبعة دار الجيل ، بيروت .
ابن منظور ، لسان العرب ، تحقيق عبد الله الكبير وآخرون ، ط. دار المعارف ، القاهرة .
أحمد كمال زكىي ، الأساطير ، الطبعة الأولى ، مكتبة الشباب ، القاهرة 1975 .
الأخوين غريم ، حكايات الأخوين غريم ، ترجمة عبد الرحيم صالح الرحيم وآخر ، الطبعة الأولى، دار ثقافة الطفل ، العراق 1987 .
أنس داود ، الأسطورة في الشعر العربي الحديث ، طبعة القاهرة .
توفيق كنعان ، الأولياء والمزارات الإسلامية في فلسطين ، ترجمة نمر سرحان ، منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية ، رام الله 1998.
ديوان أحمد شوقي (الشوقيات) ، دار الكتاب العربي ، بيروت .
ديوان امرئ القيس ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، طبعة دار المعارف ، القاهرة .
ديوان الحطيئة ، تحقيق نعمان محمد طه ، الطبعة الأولى ، مكتبة الخانجي ، القاهرة 1987 .
ديوان صلاح عبد الصبور ، طبعة دار العودة ، بيروت 1988 .
ديوان المتنبي ، تحقيق عبد المنعم خفاجي وآخرون ، طبعة مكتبة مصر ، القاهرة 1994 .
الزوزني ، شرح المعلقات السبع ، مكتبة المعارف ، بيروت 1983 .
زينب بنت يوسف العاملي ، الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ، الطبعة الثانية ، دار المعرفة ، بيروت 1312هـ .
عبد الرضا علي ، الأسطورة في شعر السياب ، طبعة بغداد 1978 .
عبد الكريم السبعاوي ، رواية العنقاء ، دار سبيل للنشر ، أستراليا 1989 .
عبد الكريم السبعاوي ، ديوان متى تُرك القطا ، الطبعة الأولى ، دار النورس ، غزة 1996 .
عبد الملك بن هشام ، السيرة النبوية ، تحقيق أحمد السقا ، طبعة دار التراث العربي ، القاهرة 1979.
عز الدين إسماعيل ، الشعر العربي المعاصر ، الطبعة الثالثة ، دار الفكر العربي ، القاهرة 1978
عمر أبو النصر ، تغريبة بني هلال ، طبعة المكتبة الثقافية ، بيروت 1981 .
على حداد ، أثر التراث في الشعر العراقي الحديث ، الطبعة الأولى ، وزارة الثقافة والإعلام ، بغداد 1986 .
فراس السواح ، الأسطورة والمعنى ، الطبعة الأولى ، منشورات دار علاء الدين ، دمشق 1997 .
فريدرش ديرلاين ، الحكاية الخرافية ، ترجمة نبيلة إبراهيم ، طبعة دار نهضة مصر ، القاهرة 1965
ليو تاكسل ، التوراة كتاب مقدس أم جمع من الأساطير ، ترجمة حسان إسحاق ، الطبعة الأولى ، الجندي للطباعة والنشر 1994 .
مجدي وهبة ، معجم المصطلحات الأدبية ، طبعة مكتبة لبنان ، بيروت 1974 .
مجلة الرأي ، مجلة شهرية تصدر عن مركز الرأي للإعلام ، غزة ، فبراير 1998 ، العدد 17 .
مصطفى الشكعة ، سيف الدولة الحمداني ، الطبعة الثانية ، عالم الكتب ببيروت ومكتبة المتنبي بالقاهرة 1977 .
الموسوعة الثقافية ، إشراف حسين سعيد ، طبعة دار الشعب ، القاهرة 1972 .
الموسوعة العربية الميسرة ، إشراف محمد شفيق غربال ، طبعة دار نهضة لبنان 1980 .
الموسوعة الفلسطينية ، الطبعة الثالثة ، دار الأسوار عكا ، 1986 .
يسري عرنيطة ، الفنون الشعبية في فلسطين ، الطبعة الثالثة ، وزارة الثقافة ، فلسطين 1998 .
B